يعود «ميودراك بولا توفيتش» في رواية «الإصبع الخامس»، التي نقلها إلى العربية الدكتور وليد السباعي، ليفضح الحقيقة العارية، حين يؤكد بصرخة مدوية أن «الإرهاب لم يولد هنا... بل نشأ هناك أولاً... إنّها نبوءة ورؤية صادقة لما حصل في يوغوسلافيا.. تشيكوسلوفاكيا».
تجري أحداث هذه الرواية في أوروبا، وبالتحديد في ألمانيا الغربية، قبل توحد شطريها، بين الغرباء من لاجئين سياسيين، وجيوش مهزومة ومهاجرين وهاربين ومجرمين وعمالة رخيصة، خصوصاً بين اليوغوسلاف منهم.
وكما يوجد فاشيون وإرهابيون في صفوف الذين يتمسحون بالدين ويتخذونه ذريعة لتنفيذ أعمالهم الإجرامية، يوجد أيضاً إرهابيون في الاتجاه المعاكس من المخالفين لهم في الأيديولوجيات، وذلك في جمهورية يوغسلافيا الفدرالية آنذاك التي تألفت من ست جمهوريات، هي: كرواتيا، البوسنا، الجبل الأسود، مقدونيا، سلوفينيا، وصربيا.
تبدأ الرواية من محطة من هامبورغ، التي اقترب القطار الشمالي منها وهو يضم كثيراً من الشماليين «البدينين» الذين يغالبهم النعاس، بعدئذ ينطلق أفراد عصابة «ذوي الأصابع الأربعة» إلى الجنوب بالقطار، كي ينهبوا المسافرين.
وهنا يبدأ الكاتب بسرد القصص التي تحكي عن تلك المعايشة الليلية، والمغامرات مع المسافرين الذين استيقظوا وحاولوا المقاومة، ومن خلال هذا السرد سنجد قصصاً تليق بهؤلاء المجرمين واللصوص من التصرفات المشينة.
ينتقل الكاتب إلى الخوض في أعماق تلك الشخصيات التي انفصلت عن مجتمعها وباتت تكيل الاتهامات للبيئة التي نشأت فيها، مستغرباً كيف أنهم يشتمون أرضهم، ويكيلون لها اللوم والاتهامات، ويتمنون لها الخراب.. ولم يمسكوا بين أيديهم كتاباً تاريخياً ما، يحتوي بين دفتيه وثائق عن الزمن الذي لا يستطيعون الخروج منه؟!
وفي معرض الأحداث، يبرز المؤلف قيم التسامح ممزوجة بالأحداث، من خلال حديثه عن أولئك الأشرار الذين تناولوا الرجال الوطنيين الذين لم تحكم تصرفاتهم يوماً الانتماءات والتحزبات، بل كانوا أبطالاً مخلصين، حاربوا العصابات المفسدة، ودافعوا عن الوطن، صحيح أنهم كانوا مختلفين في الأفكار والمعتقدات، ولكنهم مع ذلك عملوا معاً لمصلحة بلادهم العليا، وبذلوا الغالي والنفيس من أجل تحقيق الأهداف السامية في نشر العدل والمحبة والسلام.
ولا ينسى الكاتب أن يبعث برسائل تأريخية لتلك المرحلة، إذ يصف في معرض سرده للأحداث ما اعترى النازحين واللاجئين السياسيين من تغيّر خلال العقود الأخيرة، فهو يصف بعمق موقف أولئك الذي تخلوا عن أوطانهم وخلعوا ولاءهم لها بأنهم لا يتورعون عن مد أيديهم لأي أحد في سبيل التآمر على بلادهم، كائناً من كان ومن أين أتى...
لا فرق عندهم حتى وإن تحالفوا مع الشيطان إذا لزم الأمر.. ثم يعلق على ذلك بسخرية واضحة: «وما زالوا يؤمنون بالله والشعب والوطن».
