في روايته الجديدة «زواج بالخديعة وحديث كلبين» يغوص ميغيل د. ثربانتس في عمق المجتمع، فيلتقط ما تحتاجه روايته من مواقف وشخصيات، وأماكن، فهنا يصف أحد الجنود وهو خارج من مشفى القيامة في بلد الوليد، ويتكئ على سيفه كأنه عكاز، ساقاه نحيلتان ووجهه أصفر، وحين يراه صديقه يقول له: «لقد خرجت من المشفى، حيث عولجت من التعرق، وأربع عشرة مصيبة سببتها لي امرأة اخترتها زوجاً لي».
يدعوه الصديق إلى بيته ليكملا الحديث، وهناك يحدثه كيف تعرف على زوجته، وتبادل أحاديث الغرام، وفي النهاية تقول له: «إني أبحث عن زوج يحميني ويأمرني ويشرفني».
ويتم الزواج وينتقل إلى بيتها، ثم بعد سنة من الزواج المترف، يكتشف الحقيقة، وهي أن زوجته لا تمتلك بيتاً ولا عقاراً، ولا ثوباً غير ما ترتديه، فقد كانت صاحبة البيت هي صديقتها التي سافرت لزيارة بعض أقاربها في مدينة بلْسَنْثيا، وها هي تضع كل شيء له في الصندوق، دون أن تترك له شيئاً غير ثوب السفر، وهكذا يعود بخفي حنين، ثم يخبره الصديق بقصة الكلبين اللذين إذا ألقي لهما بصدقة يهرعان لإضاءة المكان، حيث سقطت القطعة النقدية، كانا يسيران في الشوارع بوداعة كأنهما حملان، ولكنهما في المشفى كانا أسدين يحرسان بحرص كبير.
وفي إحدى المرات يسمع كلاماً، عرف فحواه، ولم يكن المتكلم غير الكلبين، ثم يفصل الحديث بينهما، ويقصّ أحدهما على الثاني، فقد وُلد في مسلخ، وكلّ من يعمل في المسلخ لا يخشى الملك ولا العدالة فيتجمع قبل الفجر حشد كبير من النساء والصبيان يحملون قففاً، يأتون بها فارغة ويعودون بها مملوءة بقطع اللحم، وقص الثاني على الأول، كيف أنه كان يذهب إلى فتاة في منتهى الجمال، تأخذ اللحم من السلّة وتضع له مكانه حذاء نسائياً، فضربه معلمه، وطرده، فذهب إلى قطيع أغنام، وحين رآه الراعي، فتح فمه ونظر إلى أنيابه فعرف عمره، وأصبح حارساً للغنم، وفي مرة يكتشف أن الرعاة هم الذين يقتلون الغنم، ويقولون إن الذئاب هاجمتهم، وهنا يترك الكلب الحراسة إلى إشبيلية ويدخل في خدمة تاجر غني، فيحرسه ويعرض علينا فقر مدينة إشبيلية، وكيف أن الناس كانت تنحرف عن طريق الفضيلة، وكيف يصورون لهم قبح النقائص وبشاعتها.
ومرّة دست له الزنجية بعض الطعام، فانتفخت معدته، وتسلل إلى الشارع دون أن يقول كلمة وداع لأحد، كما يقص علينا قصة الغجري الذي سرق فلاحاً، وخلال ذلك يستنتج وراء كل قصة حكمة أو قولاً مأثوراً.
ثربانتس يجمع بين فني عصر النهضة وعصر الباروك، فهو بتكوينه الثقافي والفكري ينتمي إلى عصر النهضة، فالمثالية الأفلاطونية والإيمان بالطبيعة، سمات تصبغ جانباً من أدبه، ولكن ظروف حياته وأحداث عصره غطت على رموز النهضة، وقادته إلى خيبة الأمل الباروكية، ومع ذلك، لا شك ولا خيبة الأمل دفعت به إلى التشاؤم، فظلت فكاهته سليمه، خالية من المرارة. وهي بدلاً من أن تهدم، ترفع وتعلي من شأن كلّ ما تلمسه لأنها تجذرت في إحساس من الفهم الصحيح، أسلوبه سهل مطبوع، بعيد عن التكلف والتعقيد.
