تسبح رواية تيسير خلف الجديدة «عصافير داروين» في فضاء الأنثروبولوجيا التطورية (الداروينية الاجتماعية) التي كانت تهيمن على الفكر الغربي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتزج بنا في أتون رحلة غرائبية لفريق ضخم من الخيول العربية الأصيلة والفرسان والممثلين وأصحاب رؤوس الأموال الحالمين بالثروة في معرض شيكاغو عام 1893.

تبدأ الرواية بلحظة وصول قفص من عصافير جزر غالاباغوس التي يطلق عليها علمياً اسم «عصافير داروين» إلى بروفيسور أميركي يضع مخططاً لبرنامج الترفيه المصاحب للمعرض الصناعي والاقتصادي الأضخم على مستوى العالم. في هذا المخطط يقسم البروفيسور بوتنام البشر وفق النظرية التطورية، فيضع الأفارقة في أسفل سلم التطور، والأوروبيين في قمته، وما بينهما شعوب وأعراق العالم الأخرى، كل بحسب درجة تطوره!

في هذه الأثناء تصل دعوة للسلطان العثماني عبد الحميد خان للمشاركة في المعرض، فيقع في الحيرة هو وأركان حكمه عاماً كاملاً لأنهم لا يجدون ما تشارك به السلطنة في المعرض رغم انتشارها على قارات العالم الثلاث! وتقتصر المشاركة العثمانية على الفعاليات الترفيهية، وعلى رأسها فريق الخيول العربية وبرنامجها الغريب الذي يستحضر حرب داحس والغبراء بين قبيلتي عبس وذبيان.

العقل الذي يقف وراء هذا المشروع مسرحي فلسطيني من مدينة عكا يقنع مجموعة كبيرة من الأشخاص الذين يستحيل جمعهم، للعمل ضمن فريق واحد، منهم المثقفون، وأصحاب رؤوس الأموال، والفرسان، والخدم، وما إلى ذلك، فندخل في مجموعة من التناقضات الطبقية والاجتماعية والطائفية التي تشل عمل الفريق، وتضعه في دائرة الفشل، وقبل وصول الفريق إلى شيكاغو على ظهر سفينة استؤجرت خصيصاً له، ينجح رأس المال الأميركي بوضع يده على قسم الترفيه، وتتم إزاحة البروفيسور، ولكن رؤيته وروحه الداروينية تبقيان مهيمنتين على المعرض.

يقع الفريق فريسة المرابين والمحامين الأميركيين الذين يجردونهم من كل شيء، ويعرضون الخيول للمزاد لاستيفاء الرسوم والديون المترتبة على الفريق.

تحفل الرواية بالأحداث والتفاصيل التي لا تدع مجالاً للقارئ بأن يفلتها للحظة واحدة، فمن البروفيسور الذي يختزل لمحدثيه فكرة التطور البشري بتطور الجبنة السويسرية التي يعدها المعادل الموضوعي للعرق الأوروبي المتفوق، إلى راجي الصيقلي، المسرحي المغامر صاحب الأحلام الكبيرة التي لا تتحقق، إلى حسن الرماح، مجنون الخيول الذي يقوده عشقه لفرسه نجمة لأن يموت مع المتشردين في عاصفة ثلجية وهو ينتظر أمام باب محكمة شيكاغو.

تسيطر على الرواية روح ساخرة تحاول أن تقف في مكان دقيق بين وعي الغرب لذاته في تلك اللحظة المفصلية من التاريخ، وبين باقي الشعوب والأعراق الذين يظهرون وكأنهم أدنى من مرتبة البشر في وعي البروفيسور الذي يحاول أن يبرهن على فكرته بقوة القمل الأوروبي مقابل ضعف قمل شعوب المستعمرات!

قد يبدو صعباً تلخيص رواية تيسير خلف نظراً لازدحام الأحداث وغرائبية بعضها، ولكنها حتماً تجربة جديدة في الكتابة الروائية العربية، فهي تبدو وكأنها رواية تاريخية، ولكن، وبعد الانتهاء من قراءتها تكتشف أنها رواية معاصرة، فالأسئلة التي كانت مطروحة قبل مئة وخمس وعشرين عاماً هي نفسها الأسئلة التي تواجه العلاقة الملتبسة بين الشرق والغرب.