يقع تل جنديرس شمال غربي سوريا. ويتوسَّط هذا التل سهل العمق الذي يمتد من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي فيما بين جبل سمعان في الشرق.. وجبال الأمانوس في الغرب. وتعطي المرتفعات الجبلية لسهل العمق شكل الحرف اللاتيني:«Y».

إذ إنها تشطر القسم الشمالي منه إلى شطرين يلتقيان في منطقة الحمام. الشطر الشرقي هو سهل عفرين والغربي هو سهل أنطاكية ويجري فيه النهر الأسود. وتلتقي مياه النهرين في بحيرة العمق قبل أن تصب في نهر العاصي قبل وصوله إلى أنطاكية.

يعود اسم «سهل العمق» كما يروي المؤلف السوري، عمار عبد الرحمن في الكتاب، إلى العصور التاريخية القديمة. إذ يرد في النصوص المسمارية من العصر الآشوري الحديث بصيغة «أُنق».

ويكتب بالآرامية عمق(Amq). ويرادفه في نصوص ذلك العصر المصطلح السياسي ختينا( khattina). ويعود تأريخ السكنى في هذا الجزء من سوريا إلى العصور الحجرية القديمة.

إذ وجدت بقايا إنسان التياندرتال (يعود تاريخه إلى حوالي 80000 سنة سبقت) في موقع الديرية، على السفوح الغربية لجبل سمعان المطلة على وادي نهر عفرين. وذلك في أثناء تنقيبات البعثة الآثارية السورية - اليابانية المشتركة هناك في تسعينيات القرن العشرين.

من جهة أخرى دلَّت أعمال التحريات والتنقيبات الآثارية التي قامت بها بعثة المعهد الشرقي في شيكاغو، على أنَّ سهل العمق شهد استيطاناً متواصلاً منذ العصر الحجري الحديث، وقدرت البعثة عدد المواقع الآثارية في سهل العمق بحدود 178 موقعاً. ويقول الباحث د. عمار عبد الرحمن: شملت تنقيبات ليونارد وولي التي قام بها في تل عطشانة، موقع المينا، الذي يطل على ساحل البحر. ويعود تاريخ السُكنى فيه إلى أواخر القرن التاسع ق.م.

واستمر مأهولاً حتى العصر الهلنستي المبكِّر. وعُثر في هذا الموقع على مستودعات للفخار القبرصي والإيجي. واعتبر المينا الموقع الذي انتقلت من خلاله الأبجدية الكنعانية إلى الإغريق.. وساهم مع تل سوكاس ورأس البسيط في نقل التأثيرات الثقافية السورية إلى بلاد الإغريق.

ويذكر المؤلف عمار عبد الرحمن إنَّه في عهد السلالة السرجونية الآشورية، ذُكرت منطقة العمق باعتبارها محافظة آشورية تحمل اسم المدينة المركزية فيها. وهو «كولنيا». واكتشف نصان مسماريان مؤرخان في السنة الثانية والعشرين من عهد الملك الآشوري سنحاريب 704- 681 ق.م.

وهي السنة التي أطلق عليها اسم مَنَزرين محافظ كولنيا. وكذلك ورد اسم هذه المحافظة في نص رسالة آشورية موجَّهة إلى الملك آشوربانيبال 668- 627 ق.م، مع أسماء محافظات أخرى. من بينها محافظتا أرباد (تل رفعت) حالياً.. ورصابا (الرصافة) حالياً. وافتُرض أنَّ كولنيا مدينة في سهل العمق، وأنَّ موقعها في تل طعينات.

ولكن بدون تقديم دليل يؤيد صحة هذا الافتراض. كما أنَّ التنقيبات التي أجريت في تل طعينات. لم تؤد إلى التوصل للاسم القديم لهذا التل. وبعد دخول الإسكندر إلى منطقة الشرق بدأ تاريخٌ أُطلق عليه اصطلاحاً العصر الكلاسيكي بأقسامه الثلاثة: السلوقي، الروماني، البيزنطي. وأسَّس خلفاء الإسكندر بعد عام 300 ق.م، في منطقة شمال غربي سوريا عدَّة مدن رئيسة مثل:

أنطاكية، سلوقية بيريا، آفاميا، لاوداكيا. وانصبَّ اهتمام كل من سلوقس الأوَّل وأنطيوخيوس الأوَّل على إنشاء المدن الجديدة، حيث إنَّ الكثير منها نشأت عن سكنى كانت قائمة، وهذه الإجراءات لتأمين وتعزيز الدولة السلوقية المترامية الأطراف.

وأنشأت جنديرس خلال هذه الفترة بدلالة النقود السلوقية والفخار الهلنستي في السوية الرابعة التي تمَّ الكشف عنها في المرتفع الغربي. ويمكن أن يعطي موقع جنديرس إشارة لأهميته، فهو يتوسط الطريق بين أنطاكية وكيروس، على الطريق العسكرية الإستراتيجية إلى زويغما، التي تعتبر المعبر الرئيس على الفرات. وبهذا تمَّ اعتمادها كمحطة وسيطة.

الكتاب:سهل العمق وتنقيبات جنديرس 2006-2011/ دراسة

المؤلف: د- عمار عبد الرحمن

الناشر: وزارة الثقافة السورية- دمشق 2016

الصفحات:

95 صفحة

القطع: الكبير