كتب الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه«1844 – 1900»، كتابه «شوبنهاور مربِّياً» عام 1873 وهو اعترافاتٌ وتصورات نيتشه عن دور الفيلسوف أكثر منه دراسة، وليؤكّد على أثر وفضل أستاذه آرثر شوبنهاور 1788- 1860 في تأسيس فلسفته واكتشاف ذاته.

ورأى نيتشه في شوبنهاور كما كتب في رسالة إلى صديقه كارل فون جيرسدروف في 7 ابريل 1872: (ثلاثة أشياء تمنحني الراحة من عملي، وهي لحظات نادرة: شوبنهاور، وموسيقى شومان، وجولات العزلة). رغم أنَّه افترق عن شوبنهاور واختلف معه في مسائل مثل: العدمية والتشاؤم والأخلاق والدين.. وغيرها من المسائل الفلسفية.

يقول نيتشه بأسى: البشر كسالى أكثر ممَّا هُم خائفون، وخوفهم الأكبر هو الأعباء التي يمكن أن تحمِّلهم إيَّاها الصراحة والصدق اللامشروط. الفنَّانون وحدهم يكرهون هذه النزهة البليدة في الأساليب المستعارة والمعاني المستهلكة. إنَّهم يكشفون السرَّ.. ضمير كل فردٍ سيئ.

ويتابع: والقاعدة هي أنَّ كل كسل أعجوبة فريدة. وحين يمقتُ المفكِّرُ العظيمُ البشرَ.. فإنَّه يمقتُ كَسَلَهُم. فنتيجة لكسلهم يبدو الناس مثل منتوجات مَصْنَعْ. أشياء عديمة الأهمية وغير جديرة للاقتران بها أو تعليمها. لذا علينا أن نتحمَّل المسؤولية عن وجودنا وندافع عنه تجاه أنفسنا. ولهذا نريد أن نكون أيضاً سادةً حقيقيين في هذا الوجود.

ولا نسمح أن يُشبه وجودنا مصادفةً طائشة. الإنسان مُجبر أن يعيش حياته بجرأةٍ وخطر، وخاصةً لأنَّ الإنسان سيفقدها في كل الأحوال دائماً.. الشرقُ والغربُ خطوطٌ رسمها بعضٌ ممَّن سبقنا لكي يخدعوننا، لأنَّهم يستغلون مخاوفنا.

ويسرد نيتشه تأثير شوبنهاور في حياته ومفاهيمه. ويحكي عن القراءة والكتابة وأثرهما على التربية فيقول: لا يبدو أنَّ أحداً قد أدرك أنَّ القراءة والكتابة هي أنواعٌ فنية لا يمكن تعلمها بدون توجيه شديد العناية وتدريبٍ لا يكل. لكن لا شيء يظهر رضا معاصرينا الذاتي الأرعن أكثر وضوحاً وأشدَّ مدعاةً للخزي من المطالب المبتذلة، التي نطرحها بسبب البخل وانعدام الفكر على مُربيِّنا ومُعلمينا.

نحتاج إلى القليل جداً لكي يصبح المرء معلماً منزلياً حتى بين ناسنا المتميزين وأكثرهم علماً، أيَّ خليطٍ غريبٍ من رؤوس بليدة وتقاليد مضى عليها الزمن لم نمنحها موافقتنا بتسميتها مدرسة إعدادية!

أو تعليماً عالياً. فمناهج العلماء الألمان المشهود لها تكشف أكثر من أيِّ شيء آخر بأنَّهم يفكِّرون بالعلم أكثر من الإنسانية، وأنَّهم دُرِّبوا كقطيعٍ خاسر آثر التضحية بنفسه من أجل العِلم ويسعى لإقناع أجيالٍ جديدة للتضحية بنفسها أيضاً.

وعن تأثير شوبنهاور عليه يقول نيتشه: أنا أحد قرَّاء شوبنهاور الذين حين يقرؤون الصفحة الأولى، يمكنهم أن يقولوا بثقة إنَّهم يقرؤون كل الصفحات وسينصتون إلى كل كلمة قالها ذات يوم. إنَّني أفهمه كما لو أنَّه قد كتبَ كل شيء لي، رغم أنّه أمرٌ أحمق وغير لائق أن أطرحه بهذه الطريقة. إنَّه صادق حتى ككاتب.

وإنَّه يوجد كُتَّاب قليلون صادقون، بحيث انَّ على المرء أن لا يثق في الواقع بأي شخص يكتب. أنا أعرف كاتباً واحداً فقط، يمكنني أن أضعه من حيث الصدق عالياً في مستوى شوبنهاور، وفي الحقيقة أضعه حتى أعلى منه: مونتاني. إنَّ كتابة إنسان مثل هذا. زادت حقاً من فرحة العيش على هذه الأرض.

الكتاب: شوبنهاور مربياً/‏ اعترافات

تأليف: فريدريك نيتشه

ترجمة: قحطان جاسم

الناشر: دار اوما، دار الأمان، منشورات ضفاف، منشورات الاختلاف: 2016

الصفحات:

125 صفحة

القطع: المتوسط