الشاعر ناقداً.. المعري المتحرر من «عبودية» الشعر

يؤكد الدكتور فاروق اسليم في كتابه «الشاعر ناقداً»، أن المبدع ناقد بالضرورة، عندما يبدأ بتشذيب نصّه. إذ أشار علماء الشعر إلى طائفة من الشعراء عرفوا بكونهم عبيداً للشعر، لكثرة تنقيحهم لأشعارهم، وكان الأصمعي يقول: «زهير والحطيئة وأشباههم عبيدُ الشعر».

وامرؤ القيس، الشاعر الجاهلي، هو أوّل شاعر تنسب إليه أبياتٌ في تصويره لاقتناصِ النصّ الشعري، ثم جاء العصر العباسي فتنامت ظاهرة اهتمام الشعراء بالشعر، إذ اتجه بعض الشعراء إلى صنع المختارات الشعرية، وكان لأبي تمّام قصب السبق في ذلك، ثم تلاه البحتري. لكن الظاهرة الأكثر أهمية تمثلت في ظهور الشاعر المثقف الموسوعي الذي تجاوز ظاهرة نقد الشعر إلى الكتابة في قضايا الشعر ونقده، وبرز في المجال: أبو العلاء المعري، على نحو لا يجاريه أحد.

ويبين المؤلف أنه من المعالم البارزة في شعر ونقد أحمد سليمان التنوخي: أبي العلاء المعري (363- 449 هـ)، شرحه لديوان المتنبي المسمّى «معجز أحمد»، ولديوان البحتري المسمّى «عبث الوليد»، إضافة إلى الآراء البارزة والمهمة التي بثّها في «رسالة الغفران»، وصنع شرحاً لديوانه «سقط الزند» وسمّاه «ضوء السقط»، إضافة إلى مقدمة نقدية للديوان الذي تضمن كثيراً من الآراء النقدية شعراً.

فقد تجمعت عنده جوانب علمية مختلفة، وكانت حياته مسيرة معرفة وتأمل مستمرين، عمقُهما لديه: توقد ذهني وذاكرة يقظة، فكان نقده للشعر تتويجاً وتجاوزاً لجهود من سبقه من الشعراء العرب.

وتكثر في ديوان «سقط الزند» الإشارات الدالة على معرفة المعري العميقة والشاملة بتاريخ العصر الجاهلي، ومنها بعض مزاعم الجاهليين ومعتقداتهم الخرافية وأمثالهم وأماكنهم ونباتهم وحيوانهم ورجالهم من الملوك والسادة والفرسان، وكذلك أصنامهم وشعراؤهم وشعرهم.

وفي السقط استحضار لضروب من تصوير الشعر الجاهلي للحياة.. والمعرفة الواسعة للعصر الجاهلي في «سقط الزند» تمثّل إشارة أولى إلى أن المتلقي الضمني للديوان هو ما يجعله يبدو منضوياً في دائرة الأدب الشفاهي الرعوي الممتد من العصر الجاهلي إلى زمن المعري.

يشدد الكتاب، في شتى مجالات بحثه، على أنه كان المعري ناقداً مفكراً وشاعراً، نثر بعض الآراء النقدية في نصوصه الشعرية.. وهي آراء نسجتها طبيعة الإبداع الشعري.

كذلك قد بثّ لسان الدين بن الخطيب في ديوانه أحكاماً نقدية مؤسسة على الذوق والتجربة في أكثر من ستين نصّاً شعرياً، كما أطلق أحكاماً غلب عليها طابع التجديد البلاغي، ونقده للنصّ الشعري توزّع بين الاعتذار لنصّه أو الاعتداد به، ومراجعة نصوص غيره وتحكيمها.

إن نقده للشعر لا ينم عن رؤية واضحة يقصد إليها، بل عن آراء تتباعد مشاربها ومواطنها. إنه لا يمتلك من أدوات النقد غير أحكام ذوقية ومصطلحات غير محدودة. وفي ذلك دلالة واضحة على تطامن النقد الأدبي في القرن الثامن الهجري الذي عاش فيه ابن الخطيب متبوّئاً ذروته الثقافية والإبداعية والنقدية، وربمّا كانت للوقت والاشتغال بالسياسة أثرهما الرئيسيان في صرف ابن الخطيب عن قول ما عنده في نقد الشعر على نحو أكثر أهمية تنظيراً وتطبيقاً.

الكتاب: الشاعر ناقداً

تأليف: د. فاروق اسليم

الناشر: اتحاد الكتاب العرب – دمشق 2016

الصفحات: 120 صفحة

القطع: المتوسط

تعليقات

تعليقات