المعنى وتوطين الهوية.. اللامُفكر به في التشكيل العربي المعاصر

يحاول كتاب (أصل المعنى وتوطين الهويّة) لمؤلفه د. جواد الزيدي، كشف اللامُفكر به في التشكيل العربي المعاصر، من خلال استشراف تجربة هذا التشكيل، والبحث عن أصوله غير المكتشفة، عبر ثلاثة عناوين هي: التأصيل الرمزي في الرسم العربي، الحروفيّة العربيّة والتأصيل التراثي، النحت العربي وتوطين الهويّة ويؤكد المؤلف أن النحت كإجناسيّة، من أكثر الأجناس الفنيّة التصاقاً بالذاكرة العربيّة من خلال حضارتين أوليتين في التاريخ الإنساني، سواء ما اتصل بمفاهيم الدين أو في الأسطورة أو في الحياة الاجتماعيّة، أو في الجوانب الفنيّة الأخرى التي تلامس الحياة اليوميّة.

لكن الهم الإبداعي (بحسب الكتاب) اختلف من حيث القراءة العميقة للموروث العربي، وهو ما تمظهر في أعمال النهضة العربيّة النحتيّة التي رافقت نشوء الدولة الجديدة، والتي عاد النحات العربي فيها إلى موضوعاته القديمة المتشكلة عبر التراكمات المعرفيّة والفنيّة التي تصوغ هويّة ثقافيّة.

أما بالنسبة للتأصيل الرمزي في الرسم العربي، فيرى الكتاب أن الفن سار بموازاة مسارب وحقول ثقافيّة وأدبيّة أخرى، باحثاً في تجليات الواقع وسيرورته التاريخيّة.. وصولاً للراهن المُعاش، وما كان من هذا الفن إلا نقل ملامح الطبيعة الشرقيّة والعربيّة وتصويرها، بما يفرضه السياق الحداثي الذي عاش العالم بأكمله تأثيراته وهزاته الكبرى.

ويعد الفن الحديث واحداً من هذه الهزات التي أطلقت النار على مئات السنين من تبعات الرسم الكلاسيكي وآلياته التشريحيّة وضغوطاته الموضوعيّة، فحلت الذات بديلاً عن الموضوع وأقصته إلى نقطة بعيدة ظهرت بوادرها بخجل في بعض الاتجاهات الفنيّة، رغم تسيد الفعل الذاتي.

يوضح الكتاب انحياز الفنان العربي إلى ذاته هو الآخر، معلناً مشروعه الفني، عبر الاحتفاء بممكنات الطبيعة العربيّة، التي تمنحه القدرة على إشغال مساحة الذات واضطراباتها، وتصوير ما يمكن تصويره لتصبح وثيقة للواقع في لحظة زمكانيّة معينة، غير أن الجيل الثاني من مشروع الريادة العربيّة اتجه إلى مناطق فنيّة أكثر خصباً في التعبير عن المحليّة، مستلهماً مرموزات الحضارة الشرقيّة بكل محمولاتها، وانبثقت في ضوء هذا (كما يُشير الكتاب)، جماعات فنيّة ترتبط بالنسيج الثقافي بشكل عام، مع ما هو سائد في الحركات الفنيّة العالميّة، التي تحتوي في نسيجها أدباء وفنانين ومفكرين.

أما فيما يخص الحروفيّة العربيّة والتأصيل التراثي، فيرى الكتاب أن اللوحة الجديدة التي تحمل حضارة النص أو المبنى الحروفي، لا يمكن تمييز ظهورها وتحديد مواطن تجليها في رقعة مكانيّة محددة.

ففي الوقت الذي برزت به الحروفيّة العربيّة إلى المناخ التشكيلي، كانت هناك حفريات أغنت النص البصري الأوروبي، حاولت استلهام الحرف اللاتيني من منطق (هيبرغرافي) تجسيمي للوحة المرسومة، وبمناخات غرافيكيّة من خلال مجموعة حروفيين سادت أعمالهم في بداية النصف الثاني من القرن العشرين.

وبفعل تلاقح الاتجاهات الفنيّة وتعدد الثقافات، نجحت مجموعة من الفنانين العرب، في توظيف الحرف العربي في بنية السطح التصويري للمرة الأولى، بالاعتماد على وجهات نظر آمن بها هؤلاء، مفادها أنه لا يمكن أن يتشكل فن جديد إلا بإعادة تعريفه انطلاقاً من مادة جماليّة، وأن الفن لا وظيفة له إلا الاستجابة للحاجة والغبطة الجماليتين للمبدع.

أي ان الحروفي بهذا المعنى، هو مبدع التصوير الهيبرغرافي المُعرّف بأنه المجال البصري للبعد الجمالي لمنظومة وسائل الاتصال، وأن هذا الفن يقوم على الحرف، العنصر الوحيد للتمثيل الشكلي، والمعتبر بأنه عنصر الاتصال بامتياز.. العنصر المكثف للمعنى، وبأقصى شحنة، سواء كان لاتينياً أو يونانياً أو رياضياً أو استعمالياً.

الكتاب: أصل المعنى وتوطين الهُويّة

إعداد: د. جواد الزيدي

الناشر: الهيئة العامة السوريّة للكتاب _ دمشق 2016

الصفحات: 96 صفحة

القطع: الصغير

تعليقات

تعليقات