مذبحة الفلاسفة.. التاريخ والفلسفة بطلان روائيان

تنطوي رواية «مذبحة الفلاسفة» للروائي والباحث تيسير خلف، على طبقات عديدة يتداخل فيها ما هو تاريخي بما هو فلسفي فكري، ذلك ضمن بنية روائية تخييلية تعيد صياغة زمن وحياة ماضيين بكل تفاصيلهما الواقعية والمتخيلة.

لم يجعل تيسير خلف من زنوبيا في عمله، بطلة مطلقة، ولا من زوجها أذينة، مع أن الشخصيتين تمتلكان جميع مواصفات البطولة التراجيدية الكلاسيكية، ولو فعل ذلك لاختلفت هوية العمل، وتاه عن مقصده، ولذلك لجأ إلى شخصية روائية متخيلة هي كاهن المدينة، وجعلها الراوي الذي يحيط بكل ما كان يجري في الشارع والمعبد والقصر، بل جعله شاهداً أيضاً على حادثة النفي الشهيرة إلى روما.

جميع شخصيات الرواية تحمل في طياتها مواصفات البطولة، بشكل أو بآخر، بدءاً من قصي بن كلاب، الكاهن الأكبر والشخصية التاريخية الغامضة التي لعبت دوراً محورياً في تأسيس مدينة مكة المكرمة، فمروراً بالفيلسوف أفلوطين مؤسس الأفلاطونية المحدثة.. والناقد لونجينوس أستاذ زنوبيا ومعلمها، ووصولا إلى أذينة زوج زنوبيا والقائد العسكري الفذ الذي وحد جيوش المنطقة وأوقف زحف الساسانيين وأنشأ امبراطورية المشرق!

من البطل إذن؟! فحتى الراوي ليس بطلاً بالمعنى التقليدي للكلمة، إذ إنه ليس أكثر من شاهد على ما يجري، ولم يصنع حدثاً واحداً! لا شك في أن الفلسفة الأفلاطونية المحدثة هي البطل، فهذه الفلسفة التي أثرت عميقاً قديماً في المشرق هي الروح التي بثت الحياة في هذا الجسد، وهي كما تخبرنا الهوامش في آخر الكتاب متواصلة في عقائد محددة.

ويفاجئنا خلف، ما أن نخرج من عوالم الهامشين: الأول والثاني، في العمل، بهامش ثالث يعيدنا إلى زمننا الحاضر، عبر شخصية المترجم الأخير الذي عثر على مخطوط يروي جميع الوقائع والأحداث السابقة، والذي شهد الطوفان الذي ضرب دمشق في ربيع العام 2011، والذي جرف معه مخطوطات صديقه فادي برصوم السريانية التي كان يحتفظ بها في قبو قرب دمشق!

ويمتلك الفصل الأول في الرواية مواصفات النص المكتمل، ولكنه يقودنا من حيث لا نشعر إلى بنية نصية أخرى تمثل سيرة قصي بن كلاب وعلاقته بأذينة وزنوبيا وغيرهما من شخصيات الرواية، إلى أن نصل إلى النقطة التي بدأ عندها الفصل الأول، وهو خروج زنوبيا وجيشها للقتال في آسيا الصغرى. عند هذه النقطة يشعر القارئ بأن النص اكتمل فالدائرة أغلقت بين نقطة البداية ونقطة النهاية.

ولكن ذلك لا يبدو صحيحاً بعد قراءة الهوامش التي ذيلت الرواية، فالهامش الأول هو لحفيد الراوي الأصلي حنبل بن جرم اللات، والهامش الثاني هو لمترجم النص من اليونانية إلى السريانية منصور بن بكرو، والهامش الثالث والأخير هو لمترجمه المعاصر من السريانية إلى العربية، فأصحاب الهوامش الثلاثة، كل فهم النص من زاوية مختلفة، ولكنهم جميعاً تعاملوا معه كنص فلسفي يصلح الاهتداء به، حتى لو كان المهتدي مسيحياً!

لغة الرواية رفيعة المستوى، من الواضح أن الكاتب بذل جهداً كبيراً في صياغتها، فهي محملة بالكثير من الألغاز والرموز والإشارات، وتضم تراكيب ومفردات تتناسب بشكل كبير مع زمن الرواية، وهو أواخر القرن الثالث الميلادي.

الكتاب: مذبحة الفلاسفة

إعداد: تيسير خلف الناشر:

المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2016

الصفحات:

200 صفحة

القطع: المتوسط

طباعة Email
تعليقات

تعليقات