يكشف الفنان التشكيلي اللبناني مارون الحكيم عن الآلية الإبداعية لعملية الإبداع الفني حين يرسم أو ينحت. إذ يرى أنه حين تجتمع التقنية بالعفوية في لعبة الفن الصادمة والصادقة، يتبدَّل العمل الفني من الحرفية القادرة إلى الاحترافية- الرسالية. حيث تذوب المشاعر والرؤى في المواد لتصبح شكلاً آخر لمعانٍ تغدو ذات سحر. فتطفو أمام العين وتبرق في العقل وتلتصق بالذات الجماعية. فيداعب الفنان أدواته و«تتحول طبائع الأشياء لتصير نسيجاً من إشعاع ونور، فتخطفني إلى عوالمها المشعة بالأحاسيس والتداعيات ذات الاحتمالات والتأويلات الفنية اللامتناهية».

ويقول الحكيم في كتابه: إن هذه النبرات المرشوشة على سطح القماش تفعل فعلها في الكيان، فتنغرز وشماً يحاكي خفايا روحي: لطخات لونية، زيوح ونقاط، تمشيحات وخربشات، أضواء وظلال، تموجات واتجاهات وانعكاسات، هلوسات وأحلام، تأملات وتفحصات، إعادة صياغة ودوزنات، تلوين بطبقات فوق طبقات.. وتدرجات تلي تدرجات.

ويقول الفنان - المؤلف عن الألوان: تأخذني الألوان إلى الذهول والانبهار والنشوة المطلقة. تنهنهني شظايا تدرجاتها وإشعاعاتها وعتماتها وذبذباتها المتواترة المتوترة والهادئة. تدغدغني تنوعاتها وأصنافها، خصائصها ولواعجها، نبراتها وزكزكاتها، سماكاتها وشفافياتها، دلالاتها وعدميتها، رموزها وضياعها، إشراقاتها ودكناتها، حرارتها وبرودتها، سطوتها ورضوخها، شموخها وتواضعها، احتمالاتها وبساطتها، جمالاتها ودماماتها. ويتابع: إن اللون لن يعرف حدوداً ولن يستكين سحره وتدفقه. سيبقى ينزف.. إشعاعات تنبض بالحياة، بالجمال، بالألق. ألق الفن المنتفض دوماً على نفسه، لعبة العاشق والمعشوق بين الفنان وأدواته ومواده، تصير ولادة متجددة في كل مرة يقف فنان أمام قماشة بيضاء أو في وجه صخرة عذراء.

وعن المحترف/‏ المرسم حيث تولد اللوحة، يقول الرسام مارون الحكيم: لا قيمة للمحترف كمكان من سقف وحيطان وموجودات. إنه الإرادة الحية المتجددة في قاع الفنان. إنه الإصرار والشجاعة والإقدام والتجرؤ على المحاولة والتجريب والاختيار.. الأمكنة لا تعني شيئاً من دون أصحابها المزودين بالإرادة والعزم والاستشراف. المحترف هو تلك القيمة الفنية المكونة من اتحاد المكان مع مزيج المواد والأفكار والحواس والهلوسات والأحلام والرؤى.

ثمَّ يتحدث الفنان عن الزمن الفني الذي هو ثمرة عصارة المعايشة والمشاهدة والتأمل والتذكر والتخيل والاستشراف. ويستفيض في الحديث: أما من أين أستمد ثقتي بعملي الفني، فهذه مسألة تتعلق بثبات شخصيتي وجرأتي على الإقدام من دون تردد أو خوف. الثقة أولاً بمتانة الأسس الجمالية والتقنية الفنية التي بنيت عليها تجاربي التشكيلية. ثانياً لأنَّني أعي، بحدسي الرائي، أهمية ما أفعل..المراقبة والتأمل ثم التبديل أو إعادة الصياغة والحذف والإضافة والتدقيق في عمل ما هي خطوات واجبة ومشروعة تقرر شكل المنحوتة واللوحة ونوعهما، بالحلة النهائية. لكن الفعل الذي ينهي العمل بشكل قاطع هو القرار النابع من اقتناعي بأن هذا العمل صار حاضراً لكي يحمل توقيعي.

وعن دور الطبيعة في عملية الإبداع فيعتبر الفنان الحكيم أن الطبيعة وما يحيط بها، تصبغ حياة الإنسان بخصائصها.

الكتاب:

المرايا الخلفية

تأليف:

مارون الحكيم

الناشر:

بيسان للنشر والتوزيع والإعلام بيروت 2016

الصفحات:

92 صفحة

القطع:

المتوسط