يعد كتاب (جمرٌ تحت الرماد/ فاتح المدرس رحلة الحياة والفن) لمؤلفه محمد جمعة حمادة، من الدراسات المهمة التي تناولت المسيرة الحياتيّة والفنيّة لهذه القامة التشكيليّة السوريّة الرائدة، بحيث شكّل الكتاب مفاجأة كبيرة للأوساط المعنية ولشتى المثقفين. وتكمن المتعة والدهشة في مضامين الكتاب، بما يحتويه من معلومات تفصيليّة: هامة ودقيقة وشاملة وموثّقة، حول حياة وفن هذا المبدع (لا سيّما خلال وجوده لدى أخواله في الشمال السوري برفقة أخيه الوحيد كامل)، مصاغة بلغة أدبيّة رشيقة، تقارب إلى حد كبير، اللغة التي صاغ بها فاتح فنه وأدبه.
أحاط الكتاب بتفاصيل مجهولة في حياة فاتح، كان لها منعكساتها وتأثيراتها العميقة في إبداعاته، ما يُشكّل منها مفاتيح مهمة للولوج إليها والوقوف على ماهيتها، وهو ما غاب عن غالبية الدراسات التي تناولت فنه بالتحليل والتقييم. وهذا النقص يسده هذا الكتاب .رسم الفصل الأول، بدقة متناهية، البيئة الحلبيّة لوالد فاتح (عبد القادر) الذي قُتل وهو في السادسة والعشرين من عمره (كان فاتح يومها في السنة الثانية من عمره). ورسم الثاني البيئة الفلاحيّة لأخواله، حيث أمضى ردحاً من طفولته بينهم.
يدرج الكتاب ما يقوله فاتح: رُبّيت مع أخي في كنف أخوالي. وفي الرابعة من عمري، أخذني أهل أبي من أمي، وأعادتنا جدتي (لأبي) إلى المدرسة، لكن الوالدة كانت تسرقنا إلى الجبال، وكم أنا غني الآن بما علمتني الطبيعة في الجبال، بفصولها الأربعة. بعنفها القاسي وبحنانها القاسي. في الجبال يختلف الليل عن النهار، ولكن لا يختلف الخير عن الشر!
الفصل الثالث من الكتاب، كُرّس لإبداع فاتح الموزع على (الريشة) و(الكلمة) حيث كان الفن عنده أرق مثلما الكتابة أرق، أما مرحلة التكوين الأساسيّة التي أعطته أهم المنطلقات الفنيّة والفكريّة، فتعود إلى فترة الدراسة الأولى في روما (في خمسينيات القرن الماضي) التي عرّفته إلى الفن التشكيلي بشكل صحيح.. وزادت من خبراته الفنيّة، ما دفعه لتقديم التجارب الدراسيّة المتنوعة التي تدل على موهبته التي صقلتها الأجواء الفكريّة التي عاشها هناك، ومكنته من التأسيس لمفاهيم أساسيّة انطلقت منها وعليها تجربته الفنيّة التي ربطت الفن بالإنسان، بلغة فنيّة واقعيّة محوّرة ومختزلة، طعّمها بالرموز والأساطير، ما قرّبها من التعبيريّة.
كان فاتح يمزج بين ما هو ذاتي مع ما هو واقعي مأساوي، ويربط بين التعبير والطفولة البعيدة، ويستفيد في الوقت نفسه، من الموروث السوري العائد لمراحل مختلفة.
ويُعيد فاتح المدرس العلاقة الإبداعيّة التي تربط الأدب بالفن، والأثر المتبادل بينهما، إلى عوامل الجذب أو التنافر بين الألفاظ والصور.
الكتاب:جمر تحت الرماد/ فاتح المدرس رحلة الحياة والفن
تأليف: محمد جمعة حمادة
الناشر: الهيئة العامة السوريّة للكتاب- دمشق 2016
الصفحات:
208 صفحات
القطع: المتوسط
