قدّم سّلامة موسى كثيراً من الآراء المهمة في الديمقراطية والنظام الليبرالي وتحرير المرأة والتمدن والتقدم في كتابه «في الحياة والأدب».

والذي أعاد اتحاد الكتاب العرب في دمشق طباعته في الفترة الأخيرة. والرجل لم يثبت على حال واحدة، بل كان يعيد النظر في أفكاره ويقينياته ومواقفه وآرائه تبعاً لنضج وعيه وتجربته الحياتية والمؤثرات المحيطة به، ومتطلبات المرحلة وأولوياتها، ما يدلّ على فكر منفتح غير متشدّد وشخصية تواكب الحياة والمجتمع وتطورهما، ولا تجمد عند قناعات وملّمات يقينية.

وأوّل ما التفت إليه – حين كان في أوروبا – أنّ هذه القارة، إنمّا سادت سائر القارات بحضارة الصناعة التي تغذيها ثقافة العلم، وليس من فرق بين مصر وبريطانيا، أو مصر وفرنسا سوى هذا الفرق، وهو أنّ المصريين يعيشون على الزراعة في الغالب.

بينما يعيش الإنجليز والفرنسيون على الصناعة، فهم أثرياء والمصريون فقراء، وهم يعرفون العلوم، والمصريون يجهلونها، وهم أقوياء والمصريون ضعفاء، وإذا أخذ المصريون بالصناعة فسيصيرون مثلهم في القوة والثراء والعلم.

وكانت نظرية التطور بجميع مركباتها المادية والاجتماعية قد لابست تفكير موسى منذ شبابه، فوجد فيها الإلهام والقرب ودعا إليها في حرارة، خاصة وأنه وجد بلاده تتمسك بتقاليد خانقة تعوق تقدمها وارتقاءها، وتجر البلاد إلى الماضي، بينما الأمم الناهضة تثب إلى المستقبل، وفي المستقبل حياة والماضي موت، كما يقول سّلامة موسى.

وجد أنّ مكافحة بلاده للاستعمار الأجنبي لن تكون ناجحة كاملة إلا إذا كافح الناس الرجعية المصرية الخانقة، ولذلك لم يهمل الدعوة إلى الآراء الداعية إلى التمسك بالأخلاق والعقائد البناءة والنافعة للفرد والمجتمع عامة.

ومنذ شبابه وهو على يقين بأن الحضارة الأوروبية ليست هي الكلمة الأخيرة في تاريخ الحضارات، وإنمّا هي فترة انتقال من الانفرادية البغيضة إلى حكم العدالة، ولم ينكر يوماً ما جرّه عليه هذا المذهب من متاعب جارية فيها دعاة الظلام والرجعيين المصريين والمستعمرين الإنجليز. والعظيم برأيه، هو الذي يستطيع أنْ يعلم الفلاح كيفية غزل القطن ونسجه، وتوجد في البلاد حركة صناعية تضمن لهم حياتهم الاقتصادية.

ويجب أن يكون هو الرجل الذي كسب للأمة حقوقاً لم تكن من قبل وهو الرجل الذي وجّه العقول إلى وجهة وطنية مصرية بعد أن كانت قوميتها متلاشية في فوضى الأفكار التي ورثناها عن المماليك، وهو الذي رفع التعليم، وهو الذي نظم البلاد، وطرق الري والصرف ورفع مستوى الصحة. هو الذي يعمم التعليم الحقيقي لا تعليم القرون الوسطى، وهو الذي يخترع للمصريين طريقة لعمل الأسمدة الكيماوية.

وكان للمرأة مقام أمامه في كلّ تفكيره الارتقائي لبلاده، ولذلك ألف وكتب الكتب في ضرورة مساواتها بالرجل، ليس في الحقوق فقط، بل في الواجبات أيضاً، وحتى تختبر الدنيا وتعيش إنساناً مجرباً عارفاً حكيماً كالرجل سواء.. ويجب أن تزامل الرجل في المدرسة والمصنع والمتجر والمكتب...

«فقد ردّ أحدهم على ما تتهم به الفتاة الحديثة، وقابلها بالجدات القديمات، فوجدها أكثر شعوراً بالمسؤولية من جدتها، وأكثر استعداداً لمواجهة الشدائد، وأكثر اعتماداً على نفسها، وأعرف بوسائل العيش الشريف منها، فقد كانت آداب الجدات محصورة في الصمت وتكلّف الأدب أمام الرجال والاقتصار على أعمال البيت.

وكانت تلبس من الثياب الضافية ما يكفي الواحد منها لأن يفصل ثلاثة أو أربعة ممّا تلبسه الفتاة الحديثة، ومن يقف في لندن عند فوهات القطارات ويرى آلاف الفتيات اللواتي يكدحن للمعاش، وهن مقصوصات الشعر، مقتضبات الملابس، لا يسعه إلا احترامهن وإكبار نفوسهن، ولو كانت جداتهن في مكانهن لقنعن بالقعود في البيت والرضا بالدون من العيش.

ولكن هؤلاء الفتيات أطمع في مسرات الحياة وأشجع على مشتقاتها وأنزع إلى الرجولة منهن، وأذكى عقلاً وأخف يداً من أن يرضين بلزوم البيت مع الفقر والمسكنة في حين يمكنهن الاكتساب بالعمل والجد».

ويتابع: «هذا في لندن والحال ليست كذلك في القاهرة، ولكننا نقول: إنّ الفتاة الحديثة في مصر تمشي الآن وحدها في الأسواق، معتدلة القوام مرتفعة الرأس، في حين كانت جدتها تمشي متعثرة مع الخدم، وهي تقرأ بينما كانت أمّها جاهلة، والناس يحبّون مقابلة الحاضر بالماضي، فتراهم يصفون القدماء بأنهم كانوا أحفظ للذمم منا.

وكانوا أعفّ في الحرمات منا، وكانوا، وكانوا، وكلّ هذا كذب لا أصل له ؛ فإنّ جدودنا مثلاً رضوا بحكم المماليك فكانوا أجبن منا، ورضوا بمظالم كثر من حكامهم، حتى أشرفت البلاد على الخراب، وأنّ قذارة مقرتنا لا تطاق، فالقول بأنّ المرأة القديمة تفضل المرأة الحديثة لغو لا يقول به إلا الجاهل، والمرأة هي أساس الحضارة الآن، في التعليم والصحة، وفي النظام للبيت والشارع ودستور الأمة، وفي كلّ شيء آخر، حتى الآداب والفنون».