ينطلق زيجمونت باومان، في دراساته ضمن هذا الكتاب، من خمسة مفاهيم أساسية تتمحور حولها السرديات المعهودة للوضع الإنساني: التحرر، الفردية، الزمان/ المكان، العمل، الجماعة.
ويدعو المؤلف إلى مواجهة الميوعة والسيولة التي تسرَّبت إلى كل نواحي الحياة.. وغيَّرت النظرة إلى الذات.. فيأخذ المؤلف على «ابن خلدون» أنَّه كان بوسعه أن يمدح عيشة البداوة التي تُقرِّب الناس من الخير أكثر من أهل الاستقرار، لأنَّهم بعيدون أكثر عن العادات الشريرة التي تفشَّت في قلوب أهل الاستقرار.
ولكن جاء السعي المحموم وراء بناء الأمة، والأمة / الدولة الذي بدأ بعد ذلك بقليل في جدٍّ وعزمٍ شديدين في كل أنحاء أوروبا ليضع فكرة «الأرض» بإحكام فوق فكرة «الدم» عندما كان يؤسَّس هذا النظام الجديد، وعندما كان يُشرِّع ما للمواطنين من حقوق وما عليهم من واجبات.
ويرى الباحث بأنَّ الحداثة إذا كانت في صورتها الأصلية متثاقلة، فإنَّ حداثة اليوم خفيفة في القمة، بعد أن أراحت نفسها من واجباتها «التحررية» باستثناء واجبها في التنازل عن مهام التحرر إلى القطاعات الوسطى والدنيا التي أُحيل إليها أغلب أعباء التحديث المستمر: «فلا خلاص على يد المجتمع بعد الآن»..
هذه المقولة الشهيرة التي أعلنها بيتر دروكر، زعيم روح العمل الجديدة، بل «لا يوجد شيء اسمه المجتمع»، هكذا أعلنت مارغريت تاتشر، وإن كانت مقولتها أكثر وضوحاً وصراحة. فلا تنظر إلى الخلف أو إلى فوق، انظر إلى داخل نفسك، حيث يكمن دهاؤك وإرادتك وقوتك- والأدوات كافة التي ربما يتطلبها تقدم الحياة.
لم يعد هناك «أخٌ أكبر يُراقبك»، إنَّها الآن مهمتك أنت بأن تراقب الطبقات المتضخمة من الإخوة الكبار والأخوات الكبار، أن تراقبها عن قرب وفي توق شديد، لعلَّك تجد شيئاً يفيدك في حياتك. فلا يوجد بعد اليوم قادةٌ عظام يقولون لك ماذا تفعل، ويُريحونك من المسؤولية المتعلقة بتبعات أفعالك.
فالدافع التحديثي، في أشكاله كافة، يعني النقد الإجباري للواقع. وخصخصة الدافع تعني النقد الذاتي الإجباري الذي يتولَّد عن السخط الدائم وعدم الرضى عن النفس. فالفرد الحقيقي هو الذي لا يلوم أحداً على ما يعاني من بؤس وشقاء، ولا يبحث عن أسباب فشله إلاَّ في كسله وبلادته.
وربما تبدو الحداثة السائلة نفياً قطعياً للحداثة الصلبة، غير أنَّ الحداثة السائلة جاءت لتوضع في قالب مادي ف (تُشيِّئ) التصوُر الحداثي الصلب لنظام يستبعد البدائل كافة، بل ويلغيها، مجرداً إياها من واقعيتها ومحرماً الرغبة فيها. ذاب ميراث الحداثة الصلبة كله في أثناء الإذابة والتمييع- باستثناء الهوس بالإذابة وإدمانها ووسواسها القهري.
والمؤلِّف باومان لا ينظر إلى الصلابة والسيولة باعتبارهما ثنائية متعارضة، بل على أنَّهما حالتان متلازمتان تحكمهما رابطة جدلية. فالبحث عن صلابة الأشياء والحالات هو ما دفع إلى إذابتها، وأبقى على استمرارية الإذابة، ووجَّه مسارها.
وتعزى «السيولة» التي تتسم بها أزمتنا في الأصل إلى – تفكيك النُظم، بمعنى فصل السلطة – القدرة على فعل الأشياء، عن السياسة – القدرة على تحديد الأشياء التي ينبغي فعلها، وما يصاحب هذا الفصل من غياب للقوَّة الفاعلة أو ضعفها.
كما أنَّ أزمتنا تُعزى أيضاً إلى تعدد مراكز الفعل على كوكب تجمعه شبكة كثيفة من علاقات الاعتماد المتبادل. باختصار شديد، في ظل حالة السيولة، كل شيء يمكن أن يحدث، ولكن لا شيء يمكن أن نفعله في ثقة واطمئنان، فتولد حالة من اللايقين تجمع بين الإحساس بالجهل – استحالة معرفة ما سيحدث، والعجز – استحالة منع ما سيحدث، وهنا يمكننا أن نقارن العيش في الحداثة في مرحلة السيولة بالسير في حقل ألغام. فالكل يعلم أنَّه ربما يحدث انفجار في أية لحظة وفي أي مكان، لكن أحداً لا يعلم زمن وقوع هذه اللحظة ولا مكان الانفجار.
درء التهديد
إذا كان جوهر الحداثة في مرحلة الصلابة، كما يشرح المؤلف، يتمثَّل في التحكم في المستقبل وتثبيته، فإنَّ شغلها الشاغل في مرحلة السيولة إنَّما يتمثَّل في ضمان استقلال المستقبل وحريته، ودرء التهديد الذي يمثله، وتوقَّع «نيتشة» هذا الوضع الإنساني ورثى على لسان زرادشت – تلكؤ اللحظة الحاضرة- التي تنذر بدفع إرادة القوَّة، وهي محمَّلة بأثقال الماضي بحلوها ومُرِّها.
المؤلف في سطور
زيجمونت باومان. باحث ومفكِّر وعالم اجتماع بولندي. لديه مؤلفات ودراسات فكرية واجتماعية متنوعة.
الكتاب: الحداثة السائلة
تأليف: زيجمونت باومان
ترجمة: حجاج أبو جبير
الناشر: الشبكة العربية للأبحاث والنشر. بيروت 2016
الصفحات:
303 صفحات
القطع: الكبير
