تروي مجموعة من الفنانين والنقاد والكتّاب، سيرة حياة وإبداع الفنان التشكيلي السوري عمر حمدي المعروف في العالم باسم (مالفا)، الذي رحل عن عمر ناهز الرابعة والستين، أخيراً، في العاصمة النمساويّة (فيينا)، بعد معاناة طويلة مع مرض عضال.

ويحكي هذا الكتاب، على لسان المشاركين فيه، عن أعماله الفنيّة..إذ غطى عدة عقود من تجربته الفنية التي تجاوز عمرها نصف قرن من الزمن. وبدأها في مسقط رأسه بمحافظة الحسكة السوريّة (مواليد عام 1951) ثم تابعها في دمشق، ثم في فيينا التي أقام فيها منذ العام 1978 وحتى رحيله.

يتألف الكتاب من نصوص نقديّة حول تجربة حمدي، عائدة لكل من: أسعد عرابي، أديب مخزوم، طارق الشريف، محمود شاهين، سعد القاسم، صلاح الدين محمد، سعيد الرفاعي، بشار العيسى، محمود علي السعيد، أسعد الكفري، غازي الخالدي، ناديا خوست، سلوى صبري، وسعد الله الطويل.

يرى أسعد عرابي أنه على الرغم من أن عمر حمدي نهل في تجربته من حساسيّة انطباعيي باريس وروافدهم، ومن مدرسة فيينا الغنائيّة، ظلت مقاماته اللونيّة نسيج ذاتها، وعندما مال إلى التجريد، عجنت خصائصه المتميزة شتى هذه التوليفات في قبضة إبداعيّة واحدة تكشف عن موهبة نادرة في اللون. أما أديب مخزوم فيرى أن أعمال عمر حمدي بعثت الحياة من جديد في الفن الانطباعي.

وتحوّل بحثه نحو لونيّة الأضواء الهاربة والمتبدلة على سطح الأشياء، وفي مرحلته التجريديّة، خلقت مناخاته اللونيّة حولها أجواء الطرب، وإيقاعات النغم عبر غنائيّة اللمسة التي شكلّت امتداداً طبيعيّاً لتحليقاته الانطباعيّة السابقة المرتكزة على المنظور الجوي. ويؤكد طارق الشريف على أن عمر حمدي استعان بالصياغة التعبيريّة للوحة الفنيّة التي ساعدته على رصد معاناة الناس.

وذلك عن طريق الأشخاص الذين رسمهم والأرض تُحيط بهم من كل جانب. وأشار محمود شاهين إلى أن جملة من القضايا أرّقت عمر طويلاً منها:

أمه، الحزن، شوق السفر، الانعتاق المسكون برغائب غير واضحة، عيون المتعبين من شعبه، هؤلاء المزروعون كالصدفة النادرة في بريد الفرح. هذه الأشياء أرّقته من جهة، ومن جهة ثانية، شكّلت حافزه الأقوى لأن يعطي ويستمر بالعطاء، حتى وصل إلى المرحلة التي شكّل واللون كل واحد. ورأى سعد القاسم أن وفرة الألوان في البلاد البعيدة، استجابت لما يمتلكه عمر في مخيلته المبدعة من مخزون لوني ثري.

كما استجابت لميله إلى مساحات اللوحات الكبيرة، تحلق فيها عين المشاهد بحرية وسلام فكان للوحاته عن الطبيعة إغواء تعجز العين عن تجنبه. ويؤكد صلاح الدين محمد أن (مالفا) عمر حمدي ابن بيئة خاصة جداً، لم تعد معهودة في عالم اليوم، لهذا فإن زيتيات عمر تمتد جذورها إلى البيئة السوريّة في خصوصيتها:

تراثها، فلكلورها، وقيمها الجماليّة المنفردة. ويشير سعيد الرفاعي إلى أن حركة الفرشاة في لوحة عمر تبدو مرئيّة في اتجاه تارةً، وتارةً أخرى في اتجاه آخر، متصلة، منقطعة، هادئة، وعنيفة. أي تتحرك حسب حالة الفنان الداخليّة، والحركة هذه هي أساس اللوحة وذات الفنان. الريح، الماء، الصدى: أقانيم مرئيّة في استقرار بلا حدود، والرمز لون. هذا اللعب الفني المجبول بالألم، والمتداخل مع القيم التصويريّة الحديثة للوحة.

ويؤكد بشار العيسى أن عمر حمدي علامة في الفن التشكيلي السوري. علامة شاذة تكويناً ثقافياً وموروثاً حضارياً وأسلوباً فنياً. علامة تأخذ قيمتها من تكوينها وليس من إعلامها.

وذهب محمود علي السعيد إلى اعتبار الواقعيّة التعبيريّة لدى عمر حمدي تتمحور بشكل بؤري ناشط حول إنسانيّة الموقف الإنساني، وبخاصة المسحوق منه، عبر بلورة جليّة لتوضعات الوجوه بأشكال وهيئات متباينة، وجلسات فيها من المفارقات والعشق بقدر ما فيها من المأساة والتصوف والجلاء، مع إيلاء الجانب الفكري فيها قسماً من التركيز. أما أسعد الكفري فيوضح أن المتلقي يحس بالخوف أمام لوحة عمر، لكنها تمنحه دفئاً آخر:

مسالماً، شاعرياً، وعاطفيّاً لحد العنف. هذه القساوة تطل من اللون الأحمر حين يسيطر على أنحاء اللوحة، رغم تركه لبقعة بيضاء متلاشية مع كثافات لونيّة في فراغ داكن. هذا القبول التشكيلي لبناء اللوحة وحشدها بالتوتر، مثل ملحمة موسيقيّة، تجعلك تحس أنك أمام فنان كبير، يمارس فعله الإنساني بصمت، من أجل أن تكون الحياة أكثر أهميّةً وخصوبةً.

وترى ناديا خوست أن عمر حمدي يدفعنا إلى التساؤل: هل التعبير عن عبق التراب والزمان وألوان البلاد، حق للفن في التجذر والتنوّع؟ وما موقفه من مسألة الصراع العالمي بين الجنوب والشمال؟ وهل تفرد الفنان وأسلوبه الخاص، وسط سمات الهويّة الوطنيّة مظهر من مظاهر الحياة في عصر التغريب العالمي؟

أسرار إبداعية

يشير سعد الله الطويل في مشاركته-شهادته في الكتاب، إلى أن الكتابة عن فنان مثل عمر حمدي (مالفا)، تعني أن تحمل مسؤوليّة نقديّة متميزة تتوازى وقيمة أعماله، وبالتالي أهميّة هذه الأعمال في المرحلة الفنيّة المعاصرة، وهي تتنفس رغم السلطة الإعلاميّة التي تمارسها الحركات العالميّة المعادية لفنان سوري يرسم تحت تأثيرات متعددة، تمنحه الخروج من الجلد الخارجي لتصل به إلى المتعة الداخليّة بالألم وحرية التعرف على النفس.

المؤلفون في سطور

أسعد عرابي. باحث وفنان لديه إسهامات نوعية في المجال. كما أثرى أديب مخزوم وطارق الشريف وسعد القاسم، الساحة الفنية بأعمال ودراسات معمقة. وبالنسبة للبقية فهم مجموعة نقاد وفنانين تشكيليين يمارسون إنتاج العمل الفني والكتابة بالحقل، و(جلهم من سوريا) غالبيتهم تابعوا تجربة (مالفا) عن قرب.

الكتاب: مالفا

تأليف: مجموعة من المؤلفين

الناشر: صالة آرت فورم – فيينا 2016

الصفحات:

128 صفحة

القطع: الكبير