يجمع هذا الكتاب «رؤية للسياسة الخارجية المصرية والقضايا الإقليمية والدولية»، للباحث والسياسي الراحل د. بطرس بطرس غالي، الأمين العام السابق للأمم المتحدة، والصادر في جزأين، إسهاماته المعرفية الواسعة الموزعة بين كتبه المتعددة الجامعية والعامة، ودراساته ومقالاته على مدى أكثر من ستة عقود، وأهم ما كتبه في مجلة «السياسة الدولية» التي أسسها عام 1965.
وكتب افتتاحياتها منذ عددها الأول الصادر في أبريل من العام نفسه، وحتى ترك رئاسة تحريرها عند توليه الأمانة العامة للأمم المتحدة في يناير 1992، لكنه عاد إلى كتابة افتتاحيتها بشكل استثنائي قبل عام واحد على رحيله، وكأنه كان يودعها، وبعد نحو ربع قرن على آخر افتتاحية كتبها في عدد يناير 1992.
وكان ذلك بمناسبة حلول الذكرى الخمسين للمجلة في أبريل 2015، وصارت هذه الافتتاحية التي كان عنوانها «عصر التحولات الكبرى في العالم» آخر ما نشر له قبل أن يغادر عالمنا.
تعرض الدراسات والمقالات التي ضمها الكتاب الضخم لوجهات نظر ومواقف ورؤى وأفكار د. غالي حول القضايا العربية والإقليمية والدولية، خاصة قضايا القومية والعروبة وفلسفة الرئيس جمال عبد الناصر، واستراتيجية الدبلوماسية المصرية في القارة الإفريقي، والصراع العربي - الإسرائيلي والقضية الفلسطينية، والدبلوماسية المصرية تجاه قضية السلام، سواء على المستوى العربي أو على الصعيد الدولي، بعد زيارة الرئيس أنور السادات إلى القدس، ليؤرخ لنا فترة تاريخية مهمة مليئة بالأحداث، تمتد من فترة حكم الرئيس عبد الناصر ومروراً بالرئيس السادات وانتهاء بالرئيس حسني مبارك.
وتناول المؤلف في مقالاته مجموعة من القضايا العربية المهمة، مثل: الأطروحات التي قدمت لتطوير الجامعة العربية قبل 196، مشكلة العمل العربي المشترك، بعد هزيمة 1967، الإصلاحات اللازمة لتدعيم الجامعة العربية، دفع هذا العمل العربي إلى الأمام.
كما يتناول في مقالة أخرى قضية العضوية في جامعة الدول العربية، والتطورات التي لحقت بعملية التصويت داخل مجلسها بشأن قبول الدول العربية التي ترغب في الانضمام. ويناقش في إحدى المقالات مشكلة الحدود العراقية - الإيرانية، وطرق تسوية المنازعات بين العراق وإيران، والوضع القانوني للنزاع الناشئ عن تطبيق معاهدة 1937، والصعوبات التي كانت تعترض وحدة وتكامل أجزاء الخليج العربي. كما يتضمن هذا القسم مقالات عن الحرب الأهلية في لبنان وأسبابها.
والنتائج التي ترتبت عليها، والأوضاع الناجمة عن حرب الخليج والمشاكل التي واجهت المنطقة، والأوضاع الدولية والإقليمية والعربية بعدها وأزمة الموقف العربي في الصراع مع إسرائيل ومؤشراتها الكمية والكيفية، وأزمة التضامن العربي - الإفريقي، وخلفيتها التاريخية والعرقية.
في مقاله الافتتاحي المنشور عام 1977 تحت عنوان «البترول العربي في مواجهة تحدياته»، قال د. غالي أن يجب وضع استراتيجية بعيدة المدى ومدروسة لسد الهوة الاقتصادية بين الدول العربية الثرية المنتجة للبترول والأخرى الفقيرة، ولوضع الأسس الاقتصادية السليمة لتكامل اقتصادي شامل بين جميع الدول العربي».
ويرى د. غالي في مقاله المنشور 1993 بعنوان «نحو دور أقوى للأمم المتحدة» أن الاستقرار السياسي ليس هدفاً في ذاته، وإنما هو شرط لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية الدائمة ولتحقيق القدرات الإنسانية، ومن الضروري أيضاً، الاعتراف بوجود روابط لا تنفصم بين السلام والتنمية وأنه من الأهمية بمكان فهم هذه الروابط.
موضحاً أنه شهد العالم كيف يؤدي التدهور في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية إلى نشوء الصراع السياسي والنزاع العسكري، لذا لا ينبغي أن يخون الاضطلاع بأنشطة الأمم المتحدة المتعلقة بالسلم والأمن على حساب مسئولياتها عن التنمية، وإنما من الضروري السعي إلى تحقيق السلام والتنمية بطريقة متكاملة تشد بعضها أزر بعض، ويمكن للمرء أن يسوق أمثلة كثيرة على حالات قامت فيها الأمم المتحدة بالحفظ على السلم أو على الأقل بمنع تصاعد الصراعات.
ولكن سجلها في الجانب الإنمائي ليس مشجعاً كثيراً، وهناك مليار من البشر يعيشون على أقل من دولار واحد في اليوم، ويموت الأطفال في أرجاء كثيرة من العالم بغير داع بسبب أمراض يمكن علاجها بسهولة، وتجاهد المرأة لكسب قوت أسرتها وتدبير شؤون بيتها وسط أحوال لا تطاق من المعاناة القاسية، فضلاً عن تضاؤل فرص العمل والأزمة أعمق بكثير من مجرد أن تكرر ظاهرة أخرى من ظواهر التفاوت المألوف بين الدول المتقدمة النمو في الشمال والدول النامية في الجنوب.
هذا النمط من التفاوت الواضح المعالم ليس له وجود في عالم اليوم، فبلدان أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي السابق تناضل لتتخطى المرحلة الانتقالية صوب الديمقراطية والاقتصاد القائم على السوق، وحتى دول منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي ليست في مأمن من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية.
فالفقر والبطالة والإجحاف والإحساس المتزايد بعد الأمان كلها موجودة عملياً في جميع أنحاء الكرة الأرضية.. إن للأمم المتحدة في مجال التنمية الاقتصادية والاجتماعية دوراً محوراً في تحقيق أهداف ومبادئ الميثاق».
وتحت عنوان «عصر حقوق الإنسان بامتياز» يؤكد د. غالي أن قضية حقوق الإنسان أصبحت قضية القضايا في العالم المعاصر، حيث تأثرت بشكل كبير بثورة الاتصالات وتطورات العولمة.
ويضيف: «لقد أدت الثورة الاتصالية وتكنولوجيا المعلومات إلى تناقص المسافات وتلاشي الحدود والحواجز بصورة مذهلة، فلم تعد هناك سلطة أمنية - مهما بلغت - قادرة على إغلاق السماوات المفتوحة أمام الفضائيات أو حجب المعلومات. بل إن ظهور المدونات قد تغلب أيضاً على عائق ضرورة توافر الإمكانيات المادية لإنشاء محطات فضائية، مما أسهم في انتشار الأنباء المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان بصورة فائقة السرعة، محدثة ردود فعل في جميع أنحاء المعمورة ...».
المؤلف في سطور
بطرس بطرس غالي «1922-2016». دبلوماسي مصري والأمين العام السادس للأمم المتحدة. عمل أستاذًا للقانون الدولي والعلاقات الدولية بجامعة القاهرة في الفترة. أسس مجلة السياسة الدولية الفصلية بجريدة الأهرام، وعمل مديرًا لمركز الأبحاث في أكاديمية لاهاي للقانون الدولي.
الكتاب: رؤية للسياسة الخارجية المصرية والقضايا الإقليمية والدولية
تأليف: د. بطرس غالي
الناشر: مركز الأهرام للنشر - القاهرة 2016
الصفحات:
894 صفحة
القطع: الكبير

