يُحيط كتاب "بانت دمشق" لعدد من المؤلفين، بأعمال المعرض المشترك للفنانة التشكيليّة السوريّة سوسن الزعبي، والهولندي تيو دي فايتر، الذي أقيم في صالة الشعب للفنون بدمشق، وضم مجموعة من اللوحات موضوعها الرئيس مدينة دمشق، نُفذت بتقانات وصياغات واقعيّة مختلفة، وقد جاء هذا المعرض نتيجة ملموسة لاتصالات تمت بين كلا الفنانين.
نجح الفنان دي فايتر (مواليد هولندا 1947 وخريج أكاديميّة الفنون الجميلة في أمستردام)، في الجمع (كما تقول استريد رايبروك) بين المشاعر الحميميّة مع التقليد الفني الأوروبي عموماً، والهولندي خصوصاً، لناحية التأكيد على الصياغة اللونيّة الواقعيّة المتقاطعة مع التقاليد الشرقيّة التي تُركّز على المظهر الروحي، والمتفردة بمعالجة خاصة للألوان.
وهذا ما يمكن رؤيته في أعمال الفنانة التشكيليّة سوسن الزعبي (مواليد دمشق 1961 وخريجة كلية الفنون الجميلة بدمشق وموسكو)، والهدف الرئيس من هذا المعرض تقديم دمشق برؤيتين متباينتين، تحمل الكثير من الأسئلة والاستفسارات مثل: ما الذي يستحق الرسم؟ وما هو الجميل والقبيح؟ وما هي رؤية كل منا للحياة اليوميّة؟
يرى عبد الكريم فرج في أعمال دي فايتر بقعاً من الألوان، رقيقة وشفافة، ترسم الجدران والأسوار والأشجار وقباب الجوامع والبيوت الدمشقيّة، تلامسها خطوط رشيقة، معبّرة بإحساس مرهف ولمسات رقيقة عن كل ما تراه العين في دمشق، التي تبدت في لوحات الزعبي متأرجحة بين الواقع والخيال، والحقيقة والأحلام.
فمن ينظر إلى لوحاتها (بحسب عبد العزيز علون) يشاهد جمالات ناعمة، تتحرك في فراغ اللوحة بشيء من اللعب الحر والرقص الذين يُثيران في عين المشاهد أحاسيس بصريّة لذيذة لعوباً، تنقل إليه أسراراً رقيقة. إن أعمال هذه الفنانة تُقرّب المشاهد من المدى الداخلي للعمارة والواجهات الزخرفيّة المغطاة، ومع ذلك فهي لا تُخرج أعمالها عن قواعد لعبة التصوير الجميل المدروس.
إن أي مقارنة نعقدها (بحسب علون) بين إنتاجها وبين إنتاج الفنانين الأجانب، تجعلنا نلاحظ أن وظيفة التعبير الفني عندها واضحة التوظيف، رشيقة المرامي، حتى ولو قامت على خطوط مستقيمة، وتضاد لوني مختزل، في حين أن التعبير عند الفنانين الغرباء عن بلدنا، يأتي مباشراً أو موظفاً دون التباس.
يتشارك الفن بين سوريّا وهولندا في هذه الأعمال (كما يقول نبيل طعمة) لنشهد تداخلاً فريداً غايته إظهار أن الإنسان لا تحده حدود، ولا تقف أمامه سدود. ومعرض الفنانين الزعبي ودي فايتر يُشير للتآخي الإنساني والفني وتبادل الثقافات، حيث يخط الفنان ملامح دمشق، في عشقيّة فريدة ومتفردة، غايتها التأسيس من أجل حمل سمعة تضيء للإنسانيّة من دمشق، ملامح الحضارة والأصالة.
من جانبها، ترى الفنانة الزعبي أن تعدد الصور في العمل الفني الواحد، يعطي أكثر من معنى. هذه المعاني الإضافيّة تزيد من عمق الشيء الواحد، وتجعل له أبعاداً للخلف والأمام. فالصورة المزدوجة يمكن أن تهزنا لعدم تناسب مضمونها مع الرداء الذي ترتديه، ويكون للخيال هنا وظيفة إعادة تنظيم رموز وأشكال وصور موجودة سابقاً لخلق شكل آخر موجود أيضاً.
أما الفنان دي فايتر فيشير إلى أنه رأى الكثير من الأشياء الجميلة في دمشق، تشكّل تضارباً مدهشاً من الأشكال والألوان. فالأبنية التاريخيّة القديمة، تنهض جنباً إلى جنب مع الإعلانات الجديدة الصارخة، وأشجار الصنوبر المترعرعة في ظل حائط المدينة القديمة، بجانب السيارات اللامعة، والمباني الإسمنتيّة الحديثة.
فوضى ملهمة
العالم هو مكان فوضى.. كما تنبئنا سكبات اللوحات، في الكتاب، لكن يبدو أن الفنان اعتاد على هذا النوع من الفوضى في هولندا، بينما هو في سوريّا يرى فوضى جديدة ملهمة تحاول إعادة الترتيب، وكان هذا مبعث بهجة لنفسه، ومُحرّضاً لفنه.
المؤلفون في سطور
عبد العزيز علون، مترجم وناقد ومحاضر في جامعة دمشق، له العديد من الكتب. عبد الكريم فرج، فنان وباحث في علوم الفن وأستاذ جامعي. نبيل طعمة، متخصص في مجالات إبداعية مختلفة. صدرت له كتب عديدة. استريد رايبروك، باحثة ومديرة المعهد الهولندي للدراسات الأكاديميّة في دمشق.
الكتاب: بانت دمشق
تأليف: عدد من الفنانين والنقاد السوريين والهولنديين
الناشر: «المعهد الهولندي للدراسات» في دمشق-2015
الصفحات:
96 صفحة
القطع: الكبير
