«لم يكن أبو الطيب منفردًا بين كبار شعراء العربية بثقافته الدينية أو باطلاعه على قصص الأنبياء وأخبار الدعوات والمذاهب المعتقدة أو غير المعتقدة؛ فربما كان منهم من يعلم علمه بها أو يزيد عليه، ولكنهم جميعًا لم يكن منهم واحد تسبق أسماء الأنبياء والدعاة إلى خاطره وهو ينظم قصائده كما سبقت هذه الأسماء إلى خاطر المتنبي في جميع أغراضه، ولو لم تكن لها صلة بالبحث في العقيدة والدين».

كانت إعادة مكتبة الأسرة في مصر، إصدار موسوعة «تراث الإنسانية»، أخيرًا، حدثا متميزًا ومبهجًا للوسط الثقافي، إذ إنها سلسلة عريقة نوعية كانت قد صدرت للمرة الأولى في ستينيات القرن الماضي، وكان يعكف على تحريرها آنذاك أبرز الكُتّاب والمفكرين والأدباء في مصر، وهي سلسلة تتناول بالتعريف والبحث والتحليل روائع الكتب التي أثرت الحضارة الإنسانية.

كما تُعنى بنشر الحقول المعرفية التي تهتم بدراسة الإنسان وتاريخه وطبيعته وبيئته وقدراته الإدراكية وواقعه الاجتماعي والثقافي والسياسي، إضافة إلى النواحي المختلفة من النشاط البشري وما ينشغل به البشر من إشكاليات حياتهم ومجتمعهم، وأنساق ثقافاتهم وقيمهم في علوم مختلفة مثل التاريخ والفلسفة والأنثروبولوجيا.

والمجلد الأول، الذي صدر للمرة الأولى في ستينيات القرن الماضي، يحتوي على عدد من الكتابات المهمة لعدد من مفكري مصر في العصر الحديث، في مقدمتهم الأديب والمفكر عباس محمود العقاد والدكتور زكي نجيب محمود وغيرهما؛ ومن أسباب طرح هذه السلسلة حينذاك، أن السلاسل الغربية الفكرية تكاد تهمل كل الإهمال أمهات الكتب العربية التي أثّرت في الحضارة الإنسانية أثرًا لا يُنكر.

كما أن بعضها قد عمد إلى تلخيص أمهات الكتب العالمية تلخيصًا مخلًا في إيجازه ولم يدرسها الدراسة المستوعبة، ولم يترجم لكُتّابها الترجمة التي تقوم على الدرس والتحليل في إيجاز غير مخل، بينما كان أحد أسباب إعادة إصدارها حديثًا هو بالضرورة إعادة تسليط الضوء على هذه الكتابات المهمة.

في العدد الأول من سلسلة تراث الإنسانية، نقرأ دراسة كتبها الأديب عباس محمود العقاد عن أبي الطيب المتنبي، ونجد أن العقاد انتقى فيها عددًا من مختارات المتنبي وقدم لها تحليلًا وافيًا من ناحية اللغة والبلاغة.

حيث قال: «لم يكن المتنبي منفردًا بين كبار شعراء العربية بثقافته الدينية أو باطلاعه على قصص الأنبياء وأخبار الدعوات والمذاهب المعتقدة أو غير المعتقدة؛ فربما كان منهم من يعلم علمه بها أو يزيد عليه، ولكنهم جميعًا لم يكن منهم واحد تسبق أسماء الأنبياء والدعاة إلى خاطره وهو ينظم قصائده كما سبقت هذه الأسماء إلى خاطر المتنبي في جميع أغراضه، ولو لم تكن لها صلة بالبحث في العقيدة والدين».

كما نقرأ مقالة قديمة للدكتور عبد الحليم منتصر، أستاذ بكلية العلوم جامعة عين شمس، بعنوان «إفادة واعتبار في الأمور المشاهدة والأحوال المعاينة في أرض مصر» للعسكري والسياسي المصري عبد اللطيف البغدادي، وتحدّث البغدادي في هذه الإفادة عن آثار مصر في إجلال وتقدير لفن المصريين القدماء.

فيما تحضر أيضا ضمن السلسلة دراسة عن «الفتوحات المكية» لمحيي الدين بن عربي، عرضها الدكتور أبو العلا عفيفي الأستاذ في كلية الآداب جامعة الإسكندرية، وأشار فيها إلى أن ابن عربي أحاط بالتراث الفكري الإسلامي الذي كان معروفًا إلى عهده.. ولم يشغل نفسه بالتأليف في الفلسفة، إلا من حيث ما يجد صلة بينها وبين بعض مسائل التصوف.

المؤلفون في سطور

عباس محمود العقاد «1889- 1964». أديب مصري برع في مجالات الأدب المتنوعة، ونالت أعماله شهرة كبيرة.

أما المؤلفون الآخرون فهم مجموعة من الأدباء المعروفين، لديهم إسهامات كثيرة في شتى حقول الفكر.

ثراء

لم تقتصر السلسلة على الدراسات التحليلية المتخصصة في مجالات الثقافة والعلوم، بل إنها طرقت حقول الأنثروبولوجيا والاختراعات والتطورات المتنوعة. كما رصدت في حلقاتها المتتابعة، أشكال ومضامين الأعمال الجوهرية التي أسهمت في إغناء الفكر الإنساني في مكوناته كافة.

الكتاب: تراث الإنسانية

تأليف: عباس محمود العقاد وآخرون

الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب «مكتبة الأسرة»-القاهرة 2016

الصفحات:

504 صفحات

القطع: الكبير