يرصد ويحلل كتاب «الدراما التليفزيونية، تحضير التاريخ.. تأريخ الحاضر»، لمؤلفه د.حسن عطية، العديد من الأعمال الدرامية (التاريخية) موثقاً لرؤيته الفكرية بشأن دور الدراما وعلاقاتها بالتاريخ.

ويبين المؤلف أنه عندما كتب أرسطو (المفكر الإغريقى) أول النصوص المسرحية، والتي تتحول إلى حركة وحياة على المسرح.. معتمداً على لغة القص وهو يتخيل أداء أبطالها متصوراً كيف كانت البذرة الأولى لولادة الفن الجديد في العالم كله، فن الدراما.

ويبين المؤلف أنه حرصت الدراما السينمائية على أن تحذو حذو النص الدرامي، ولكن بحدود الساعة أو الاثنتين، وهو أيضاً الملاحظ في فن الدراما التلفزيونية، حيث تبنى الدراما على حدث ما في الزمن الحاضر، وتصاغ الوقائع داخل حبكة داخل بناء درامي. وتبنى الدراما على حدث في الزمن الحاضر، ربما يندلع دونما انتباه لحدوثه أو بمحاولة المؤلف لإخفائه، ويظل ساكناً حتى تثور الظروف وتأتي مواجهة الحدث، ولا تنتهي إلا بنهاية مسبب الحدث.

وفي المسار الثاني فيه، يبدأ الحدث مع بداية الحبكة الدرامية، كما في مسرحية الملك «لير». إذ تبدأ المسرحية باجتماع الملك ببناته الثلاث ليقسم أرض المملكة، بشرط أن تظهر كل واحدة مدى حبها له. أما المسار الثالث، فيتجسد في أن ينفجر الحدث بعد بداية الحبكة، بالتمهيد عبر مشاهد وشخصيات طبيعية. هكذا، فإن الدراما في تصديها لأفعال البشر وإعادة صياغتها جمالياً، تعمل على تحضير التاريخ أمام المتلقي، وكأنه يحدث في يومه.

هذا الحضور أو الاستحضار الذي يجعل المشاهد ربما يتمنى أن يكون واقعياً في يومه وفي مكانه أو مدينته.. والجميع غير منتبه أن ما يشاهد هو بحسب رؤية صانع الدراما، فقد كان المخرج محمد كريم يغسل شوارع القرية بالمياه في أفلام محمد عبدالوهاب.

والأمر كذلك من زاوية أخرى، حيث تعمل الدراما على تأريخ الحاضر لمتلق قادم، فترصد صراع رجال الأعمال وأحداثاً مؤلمة، كما مع المهاجرين وغرقهم في البحر قبل الوصول إلى أوروبا.. وهو ما يجعل من الدراما توثيقاً للأفعال والقيم السائدة في المجتمع، وهو أيضاً يعتبر قراءة خاصة لمبدعه.

نلتقط هنا الأحداث التاريخية، تلك التي يراها المؤرخ محاطة بكل أسوار الحفظ من التحريف والانحراف، يراها المبدع مادة طيعة لعرض وجهة نظره ورؤيته، بل وربما لإسقاط دلالة ما على الواقع المعاش.

الدراما التاريخية لا تستهدف استعادة التاريخ لمجرد أن يتخفى المبدع خلفه، ولا حتى لإسقاط المعنى على الواقع وحده.. فهو نوع من المراوغة الفنية، حيث يحدث التلقي في أجمل تشكيل فني، ثم دغدغة المشاعر والأفكار بما يراه صناع العمل الدرامي.

ويمكن القول بثقة، إن الدراما تلعب دورها في تحضير التاريخ، حيث تلاحظ في الدراما التلفزيونية إعادة صناعة التاريخ، بتناول حدث ما أو شخصية ما دون الاهتمام بتقديمهما كما هما حقاً، بل كما يراهما صانعهما. وميزة مثل تلك الأعمال، عدم وجود قطيعة معرفية مع الماضي وأجياله، بل يقدم التاريخ بنظرة نقدية فاحصة ومتجددة، وبذلك يمكن إعادة طرح المناسب من التاريخ للواقع الآني لإثراء الوجدان وتنشيط العقل أيضاً.

وتجيء تجربة الكاتب محمد السيد عيد، بالنبش في التاريخ، معبرة عن تلك الرؤية، كما في الأعمال الدرامية التالية: «قاسم أمين» عام 2002م، سيرة العالم مصطفى مشرفة في «رجل لهذا الزمان» عام 2011م، «علي مبارك» في 2008م، «محمد عبده» في 2005م. ويمكن الإشارة إلى مجموعة أعمال درامية في هذا الخصوص، بينها: «السائرون نياماً» عام 2010م.

حيث يقدم التناقض الحاد بين حياة المماليك وحياة فقراء المصريين. كذلك في مسلسل «سقوط الخلافة» عام 2010م، الذي يبدو وكأنه دعوة خفية لمواجهة العولمة الأميركية.. ومسلسل «الملك فاروق» عام2007م، ومسلسل أمه «ملكة في المنفى» عام 2010م، وجده الخديوي إسماعيل «سراي عابدين» عام 2014م. وفي العموم، نتبين أن كل تلك الأعمال التاريخية أثارت حواراً فكرياً حول زمن إنتاجها وهوية المنتج الفكرية، قبل البحث عن جمالياتها الفنية.. وهكذا الدراما التاريخية.

المؤلف في سطور

د. حسن محمد عطية. كاتب وناقد مصري. من مواليد طنطا 1954. حصل على درجة الدكتوراه ويعمل رئيس قسم التنشيط الثقافي في المعهد العالي للنقد الفني. وهو مدير تحرير مجلة «الفن المعاصر» ورئيس جمعية نقاد المسرح العرب سابقاً.