يسعى كتاب (الأدب والأدبيّة/ دراسة نظريّة وتطبيقيّة إنشائيّة- التوحيدي أنموذجاً) لمؤلفه د. حسن إبراهيم الأحمد، إلى مقاربة مصطلحي الأدب والأدبيّة، من زاوية نقديّة حديثة وعربيّة قديمة، برؤية تكامليّة تنطلق من مقولات نظرية الأدب. وتعزز ذلك بالتطبيق على نص تراثي غني وفريد في مضامينه وسياقاته وبنياته الفنيّة، نازعة في ذلك منزعاً تحليلياً نصياً، يستوعب مفردات أبي حيان التوحيدي التشكيليّة في نصه الإنشائي.
يتوزع مضمون الكتاب على بابين اثنين: الأول يتناول الأدب والأدبيّة في النقد الحديث، عبر مفهومه الغربي الشكلاني الذي بحث في الشكل والنص والداخل، والتاريخي الذي بحث في المضمون والسياق والخارج.
وعبر مفهومه العربي الذي لم يُعوّل على مناقشة الإشكاليّة كثيراً في مقارباتها، وإنما حاول فيها التحيز لأحد سياقات الأدب الاجتماعيّة أو الثقافيّة أو الاديولوجيّة. وبعدها، يعرض الكتاب لتقاطع الأدب مع الفلسفة والايديولوجيا والتاريخ وعلم الاجتماع وعلم النفس
. ثم يتوقف عند الأدبيّة في النقد الحديث، مؤكداً على أن الأدبيّة أو أدبيّة الأدب، مفهوم غير مستقر نسبياً، يمكن تفسيره وتأويله حسب المنهج والايديولوجيا.
وبعد أن يستعرض تقاطعاتها كمفهوم مع الجنس الأدبي، يتتبع انعكاسات الأدب والأدبيّة في النقد العربي القديم، مبيناً أجناسهما، وعلاقتهما بالمتلقي، ومصادرهما الإبداعيّة، وإيقاعهما، مشيراً إلى أن التحول الدلالي أحد الطاقات المحرّكة للأدبيّة، وهو يقوم على تصوّر كلي بوجود بنية أساسيّة تتحول إلى بنى بينها قدر كبير من التداخل ذي المستويات المختلفة والعلاقات المتعددة.
بعد ذلك، يُعرّف الكتاب التشبيه والاستعارة والكتابة، وعلاقة الأدبيّة بالتركيب والتحوّل بالتقديم والتأخير والحذف، وعلاقة الأدبيّة بالكتابة والوظيفة.
أما الباب الثاني من الكتاب، فيخصصه المؤلف لإنشائيّة التوحيدي القائمة على التكثيف والتأويل والاختزال، والتشكيل الخاص الذي يتوسل في اللغة جانبها الانفعالي والشعوري لا النفعي، للتعبير عن وجهة نظر الذات المبدعة ورؤيتها الخاصة جداً. فالتوحيدي إذ يطأ الموضوع في إنشائيته من باب اللغة، يطبع النص بخصوصيّة شديدة الالتحام بعالم النفس والإدراك والوعي.
ولا يُظهر العلاقة بين الدال والمدلول انصهاراً بين صنفين: بلاغي وفكري. أي إن النص يفترض قراءة تدفع إلى التأويل، في ظل غياب الآخر المحاور، واستغلاق بعض المعاني، أو احتجاب بعض الدلالات. لذلك إن النص الإنشائي يضع بنفسه شرط قراءته، ويُوجه الخطاب القارئ إلى أدبيته.
من جانب آخر (وبحسب الكتاب)، يكشف نص التوحيدي الإنشائي فجوة واضحة بينه وبين النصوص القارئة له، التي اشتغلت في حيز المقارنة بين لغويّة الخطاب وإشاراته الواقعيّة والبعد الإشاري، على حساب البعد الرمزي الإيحائي الذي يتطلب جهازاً تأويلياً واسعاً. لهذا فإن معظم الشهادات والاستنتاجات والقراءات التي رأت في التوحيدي شخصيّة متشائمة، هي عاجزة عن الترقي الوجداني والنضج الانفعالي. أو معتدلة الطبع، ذات مزاج سوداوي، يغلب عليه الانقباض، أو ازدواجيّة متناقضة ذات مفارقات حادة في محاولتها الجمع بين الأقطاب المتعارضة.
إنها عموماً، تبقى صحيحة وصادقة في سياقها المتقطع من السياق النصي العام للتوحيدي الذي ارتقى بالسيرة الذاتيّة إلى نص أدبي مفرداته الوقائع، ورؤية المبدع، والإفاضة والانفعال، والتعرّي النفسي، والفردانيّة بصيغة الجمع.
قلق منهجي
ما يُكسب الكتاب قيمته وأهميته في المكتبة العربية، أنه يناغم ويؤاخي بين النقدين القديم والحديث، وعمل على الدخول في نص متعدد القراءات، لإيجاد تمثيل حقيقي لمفردات الأدبيّة، إضافة إلى تقديمه رؤية جامعة تتجاوز بعضاً من القلق المنهجي والاجتزاء، اللذين رافقا رحلة المصطلحين من جهة، وقراءة نص التوحيدي الإنشائي بأدوات جديدة وجديرة بأن تُقاس بها حداثة الاعلام، من جهة أخرى.
المؤلف في سطور
د. حسن إبراهيم الأحمد، باحث سوري في النقد القديم. ولد في حلب عام 1972. حصل على درجة الدكتوراه من جامعة دمشق عام 2003. يعمل مدرساً للنقد العربي القديم ونظريّة الأدب في كلية الآداب بجامعة دمشق. له كتابان مطبوعان وعدد من البحوث والدراسات.
الكتاب: الأدب والأدبيّة/ دراسة نظريّة وتطبيقيّة وإنشائيّة.. التوحيدي أنموذجاً
تأليف: د. حسن إبراهيم الأحمد
الناشر: الهيئة العامة السوريّة للكتاب- دمشق 2015
الصفحات:
232 صفحة
القطع: المتوسط
