من لا يعرف سيمون؟ سؤال ينزاح عن معناه الاستفهامي إلى التقرير والتأكيد بأن «سيمون» معروفة وأشهر من أن تكون مجهولة ليُستفهم عنها على هذا النحو..
سيمون الشخصية المتخيّلة التي اخترعتها مخيلة الروائيّ طبقاً لشخصيّة واقعية، أو لنموذج نسائي سنتعرّف إليه بعد حين، ولكن قبل ذلك لا بدّ من التعرّف إلى الشخصيات الأخرى، أو بالأحرى إلى الأصوات الإضافية التي شكّلت الحكاية وأعطتها بعدها الروائيّ.
فثمّة أوّلاً سارة غروسمان زوجة «فرانك» الذي قُتل للتوّ.. سارة الرائية التي تحلم، والتي تتبصّر الموت قبل أن يحدث، ولذلك فإنها لم تفاجأ عندما مات فرانك، فهي تنبأت بموته على النحو الذي حدث.
سيمون السورية الدمشقية، تُقدّم بدءاً من الاستهلال، كشخصية محورية رائية تتبصّر الأحداث في أحلامها بناء على العنوان الفرعي الأوّلي: «سيمون تحلم بالموتى وبالفن» وربّما الجامع بينها وبين سارة غروسمان هذه الخاصّية الغامضة، وليس ثمة رابط بين الشخصيتين سواها، فتبقيان مستقلتين لا علاقة لإحداهما بالثانية سوى ما يطمح الروائي إليه من مقاصد.
سيمون الشامية ترى منامات لحالات مماثلة قبل وقوعها، وممن رأتهم في نومها خالها محمود المقيم في بروكسل والمصاب بالسرطان.. وقد رأت في نومها أنها تتصل به، وسمعت رنين الهاتف بالرغم من أنّ سلكه مقطوع، فأفاقت وفي ذهنها أن خالها قد مات فجأة في بيته، أيقظت أمّها وأخبرتها بموت أخيها، وما لبث الخبر أن عمّ العائلة كلّها من دون أن يتحقق أحد من مصدر الخبر وصحّته.
إن الرؤيا في هذه الحدود قد لا تبدو مدهشة فالكثير منا يرى مثل هذه المنامات لأموات يأتون المنام كأحياء أو العكس، غير أن ما أدهش في سيمون، أنها رأت تفاصيل إضافية تطابق ما حدث تماماً.
الخال محمود يعد سيمون بالعودة إلى دمشق فور تصفية أعماله في نابولي، ولكنه بدلاً من السفر إلى دمشق غادر إلى بروكسل وأقام فيها ليلقى مصيره بعد أربعة أشهر من وصوله..وبعد نحو سنة تموت أمّها، وتوصيها بالعناية بأصص الزرع والابتعاد عن أبيها إن عاد يوماً، وهذا الإخبار يعني أن الأب هجر الأسرة منذ زمن.
إنها شخصية مقطوعة من شجرتها العائلية، وبات عليها أن تجابه الحياة وحيدة في دمشق القاسية التي لا ترحم أمثالها، ولا سلاح بيدها سوى أحلامها وجمالها الآسر، ولا سيّما بعدما بدأت العمل في شركة الطيران، وتعرّفت إلى تامر، الذي سيدخل الأحداث بدوره كحبيب، حيث يذهب السرد في تفاصيل مثيرة فضلاً عن هواجس الشابة الفاتنة، المختلفة.
وفيما يبدو تركيز السارد على عنصر محدد في شخصية سيمون، بسبب ارتباطه بأحداث كبرى ستأتي، وفق ما يمكن استنتاجه من الاستهلال وتوجيه الأحداث نحو مواجهة لا بدّ ستحصل لشابة فاتنة ومتحررة في مجتمع ذكوريّ، وهذا الاستنتاج استباقي من قبلنا تبعاً لمعرفتنا بما تفيض به دمشق من مافيات سلطوية تحتل مختلف مؤسساتها وتسيّرها وفق مصالحها ومشيئاتها، وهذا ما سيلتمسه القارئ في الفصول اللاحقة التي ستكشف عن بعض مخبوءاتها النفسية، ولاسيّما ما أفاض به الروائيّ ليعزز هذا الجانب بخياله البارع.
ممارسات سيمون، غير السوية، ستأخذها إلى عالم الشهرة بعدما تمكّنت من اجتياز جملة المصاعب المفترضة لممثلة مبتدئة وجميلة.. ثمّ ما لبث نجمها بالصعود في عالم الشهرة والمال، وبدأ الآخرون بالتزلّف لها. ثمّ يأتي السؤال، من الذي فتح لسيمون كلّ هذه الدروب نحو الشهرة؟ وما الثمن الذي ينبغي أن تدفعه لقاء عالم الأضواء هذا؟
إنه الأستاذ صفوت، أو بالأحرى السلطة المطلقة ذاتها ممثلة في شخصه، إنه الرعب في مطلقه، نظراً لأنه يتحكّم بشركات كبرى ولديه أعوان مدرّبون ومخلصون يطلعونه على خفايا سيمون وعشّاقها الكثر، فيتخلّص منهم جميعاً سواء بالقتل أو بالتهديد أو بالنفي والإبعاد.
استحواذ كلي
كانت سيمون أشبه بدمية غضّة في يد رجل عنيف، أو بالأحرى مجنون بحبّها ولا يريد أن يقترب أيٌّ من عشّاقها منها، استحواذ كلّي مع هوس مرضيّ متفاقم ذهب بها نحو الهاوية بعدما ارتقت عالياً في سماء النجومية، مما يذكّر بجريمة مشابهة وقعت منذ سنوات، وكانت ضحيّتها إحدى الفنانات.
المؤلف في سطور
عمر قدّور. كاتب صحافيّ. له ديوانان شعريان. كتب 4 روايات حتّى الآن: «جواف خشنة»، «أسماء للنسيان»، «هواء فاتر.. ثقيل» و «من لا يعرف سيمون؟».
الكتاب:
من لا يعرف سيمون؟
تأليف: عمر قدور
الناشر: دار نون، رأس الخيمة، 2013
الصفحات:
107 صفحات
القطع: المتوسط
