تعيش الكاتبة فاتن المرّ، أحوال مخيم «شاتيلا»، في روايتها «مفتاح لنجوى»، وتعتمد على الرسائل الإلكترونية والهاتفية والمحادثة، لتبني عملها الروائي.

إنّها تبدأ عملها برسالة من نجوى وهي مرسلة إلى دارين، تقول فيها إن أكثر ما يزعجها في المخيم هو الضجيج الذي يتألف من شتى أنواع الأصوات التي تلاحقها حين تدفن رأسها تحت الوسادة، وستبدأ منذ الصباح التالي بزيارة مستشفى المخيم والمستوصفات بالبحث.

وخلال ذلك تمرّ على الوضع الاجتماعي للبلد، إذ أصبح الجميع يتفاخر بانفتاحه وتقبل الآخر، كما تعود بنا إلى الماضي فتتذكر عن طريق نجوى، قصة الهروب الكبير أمام الهجمات اليهودية عام 1948، وقصة المجازر القديمة التي شرّدت شعباً بكامله.

في مخيم «شاتيلا»، يعيش ستة آلاف لاجئ، في أقل من كيلو متر مربع بالإضافة إلى اللبنانيين والسوريين والبؤساء من مختلف الجنسيات، وأبوها عاصر أفظع المجازر، من تل زعتر إلى «شاتيلا».

ففقد قدرته على الفرح والكلام، وفريد تخرج من النادي وتوجّه بمواهبه نحو جدران المخيم، يبحث عن بقعة فارغة ليسكب عصارة فنّه، يرسم علم فلسطين وخريطتها، مظلة وفدائي ملثم وولد يحمل حجراً، وقباب ومساجد ومفاتيح وعبارات تشكل الردّ الأمثل على من يخافون التوطين، عبارات تسطر حلم العودة، و«فلسطين حرّة عربية» و«حوار العودة لا عودة عنه» قد تجمعها نجوى كما تجمع العبارات المكتوبة على صناديق الشاحنات:

«لا تلحقني مخطوبة» و«عين الحسود تبلى بالعمى». أمّا كريم فانخرط في واحدة من المجموعات الأصولية في مخيم نهر البارد. ياسر ابن أبي رشد توفى، غرقت السفينة وفرّ المهربون، غداً ينسى الآخرون الكارثة، ويتطلعون بحثاً عن الفردوس المفقود.

وكلمّا فتح أحدهم نافذة على الماضي، اجتاحت نجوى رغبة في الفرار من أخمص قدميها تهددها بالشلل. الأسلاك الشائكة والزيتون، والبرتقال والكوفيات والمفاتيح.. تلك المفاتيح التي علّقت رسم فلسطين على حائط الحلم، والأناشيد التي اقتطعت من اليوميات، والأغاني التراثية سجنت الحنين داخل أنغامها الحزينة، وزواريب المخيم تطبق على أنفاسها، والريح أصبحت عدوتها، الذاكرة الجمعية من ألد أعدائها، وتتوق إلى الانفصال عنها والاستقلال بذاكرة فردية.

«وين ع رام الله، وين ع رام الله» نحن نغني وهم يزرعون الشجر.

ما الذي يجري في مخيم نهر البارد ؟ كأنها حرب وراء حرب، اليوم اتخذ قرار المخيم.. غداً مخيم آخر، جاءت عائلة عم نجوى وبقي كريم يحارب معهم. الناس انقسموا بين مؤيد ومعارض ومسوّغ ومدين لكلّ من الجبهتين. ولكن الشعور بالغربة عاد ليجتاحهم ويصاب كريم، وينقل بواسطة الصليب الأحمر إلى مستشفى في طرابلس.. قال عمها:

«في كلّ جريمة يكون العقاب فردياً على شخص المجرم، أمّا حالياً فينزل العقاب علينا جميعاً»..«يتذكر كيف أنّ الجيش منع إدخال مواد البناء إلى المخيمات، وأساليب التحايل على هذا الإجراء».

و«البارحة تقول دارين رافقت جدتك في زيارتها إلى المقابر، مقبرة شهداء صبرا وشاتيلا حيث دفن خالك وعائلته، ومقبرة الجامع حيث دفن شهداء حرب المخيمات، والمقبرة الأخيرة حيث دفن كريم.. كانت طوال الطريق تخبرني وتبكي.. تخبرني عن المجزرة...».

هذا الحدث يجرها إلى أن تتكلم عن أرض فلسطين، عن يافا التي تضم كلّ المسلمين والمسيحين الذين عاشوا بألفة وتقارب كبيرين، وهي مفتوحة على كلّ الدنيا.. حدثتها عن تفاصيل حفظتها من وصف والدتها عن شارع النزهة ومدرسة العامرية والمدرسة الاسكتلنديّة والبحر والسفن المحملة بالبضائع وعن بيارات الليمون.

هذه الرواية تسجل تاريخ شعب هُجّر من أرض وانداح في الأرض العربية، التي ما زالت تمارس عليه الحصار والمضايقة.

رواية تعود بنا إلى البدايات، إلى حرب 1948، وما يليها من نكبات وحروب، وهي مكتوبة بطريقة الرسائل، الطريقة الحديثة في الكتابة، لا صور بيانية ولا استعارات ولا كنايات، إنّها فقط قصة مجموعة من الفتيات، أو هي قصة واحدة روتها الروائية، لتسجل قصة شعب يريد أن يحيا، ويستمر في الحياة، رغم الحصار والتجويع والقتل.. سواء في داخل فلسطين أو خارجه.

صفد وزيتونها

تصف الكاتبة، في عملها، شتى مناطق فلسطين وقراها، ومن بينها صفد المطلّة على بحيرة طبريا ومرج بيسان، صفد بجوامعها وزواياها التاريخية، بزيتونها، وتينها وصفاء جوّها.

وتقول: ..صفد التي احتلها اليهود بعد أن طردوا سكانها، دون أن ينجحوا في تزوير معالمها، عندما بدأ اليهود بمهاجمة يافا وقصفها بالمدافع الثقيلة، ركض المختار وطلب إلينا الذهاب إلى الكنيسة. كتب جدّي: «كان علينا أن نتحضر ونفكر ونخطط.. حتى جيش الإنقاذ والمقاتلون كلهم كانوا يرتجلون».

المؤلفة في سطور

فاتن المرّ. أستاذة اللغة الفرنسية وآدابها في الجامعة اللبنانية، لديها الروايات التالية: بين انتظارين، الزمن التالي، الخطايا الشائعة.

الكتاب: مفتاح لنجوى

تأليف: فاتن المرّ

الناشر: دار الآداب، بيروت - لبنان 2016

الصفحات:

200 صفحة

القطع: المتوسط