هل الكذب ضروري؟ سؤالٌ يحاول الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا «1930 - 2004»، أن يجيب عليه في هذه الدروس. إذ يبدأ بتعريف الكذب بأنَّه ووفق تحديده الكلاسيكي يختلف تماماً عن الخطأ.

لأنَّه بوسعنا أن نخطئ وأن نغلط، بل وأن ننطق بكلام خاطئ دون أن يكون الهدف من ذلك خداع الآخرين، أي الكذب عليهم. التجارب المتعلِّقة بالكذب والخداع و«الخطأ» تدخل كلها في إطار مقولة البودولوجيا. مفردة (pseudo) في اللغة اليونانية، قد تصدُق بالإضافة إلى الكذب، على الزور والحيلة والخداع والتدليس والإبداع الشعري.

وهذه التعددية من شأنها أن تعمِّق سوء التفاهم، ما يزيد من صعوبة التوصل إلى تأويل مقنع ل«هيباس الصغير» لأفلاطون، وهي محاورة ذات قوَّة دحضية وتتميَّز بالكثافة وفي الوقت ذاته، بالحدَّة. وهي محاورة تقدِّم طرحاً لا يخلو من التعقيد لمسألة العلاقة بين الكذب وما يمكن اعتباره بمثابة نسخ ومثيلات له وإخوة مدالسين. ومن ثمَّ يطرح دريدا سؤاله:

هل بإمكان الإنسان أن يكذب على نفسه؟ وهل يجوز اعتبار كل ما يمكِّن الإنسان من خداع نفسه والتحايل عليه كذباً؟. باختصار، كيف يجب فهم فعل «أخطأَ» والذي يتميَّز في اللغة الفرنسية بخصوبة معانيه والتباسها- أكذباً على الذات أم خطأ؟.

من الصعب الاعتقاد بأن يكون للكذب تاريخ، ثمَّ مَن يستطيع رواية تاريخ الكذب؟ ومن بإمكانه الجزم بأنَّ تاريخ الكذب الذي يعد بروايته سيطابق الحقيقة؟.. إذا كان بالإمكان وجود تاريخ خاص بالكذب، أي بشهادة الزور والحنث، وإذا كان كذلك بإمكان هذا التاريخ أن يرتبط بالشر المتمثِّل في الكذب أو الحنث في كل راديكاليتهما.

فليس بإمكانه أن يصبح تابعاً لتاريخ الخطأ أو الحقيقة بمفهومهما المتداول – أي خارج أي اعتبار أخلاقي. من جهة أخرى، إذا كان الكذب يفترض على ما يبدو الابتكار المتعمَّد لأشياء متخيَّلة، فليست كلُّ التخيلات والخرافات كاذبة.

والشيء نفسه ينطبق على الأدب. فجان جاك روسو يقترح تمييزات دقيقة ومهمة ويؤكِّد على إنَّه في إعلانه بالالتزام ب«الصدق» و«الاستقامة» و«الإنصاف» خضع ل «اعتبارات أخلاقية» أملاها عليه ضميره، وليس لمفاهيم مجرَّدة كالحق والخطأ، إلاَّ أنَّه لايكتفي بهذا. فهو يقدِّم اعترافات أخرى.

حيث إنَّه يعترف بأنَّه لم يسعَ إلى الحفاظ على التمييزات التي يقترحها بين المفاهيم، على كل دقَّتها النظرية، إلاَّ لكي يتمكَّن من التحرُّر من كذب لايجرؤ على الاعتراف به، مثلما أنَّ الخطاب النظري حول الكذب ما هو في حقيقة الأمر إلاَّ إستراتيجية كاذبة وتقنية لا يمكن التصريح بها للتخلص من تهمة، وحيلة لا يمكن التسامح في شأنها يلجأ إليها العقل النظري قصدَ خداع العقل العملي وإسكات الأصوات النابعة من القلب.

ويذهب جاك دريدا إلى أنَّه إذا كان للفهم السليم للكذب الطليق تاريخ، فإنَّه من المحتَّم على هذا الأخير أن يجد نفسه في صيرورة قد تهدِّده باستمرار بإضفاء طابع النسبية على سلطته وقيمته.

بالإضافة إلى هذا، وهنا تكمن الصعوبة. يجب كذلك التمييز بين تاريخ الكذب كمفهوم وتاريخه في حدِّ ذاته، والذي يمثِّل تاريخاً وثقافة يؤثران في الممارسات والأساليب والدوافع والتقنيات ومختلف الطرق والنتائج التي يمكن ربطها بالكذب.

فحتى عندما نأخذ ثقافة ما حيث يسود بدون منازع مفهوم واحد للكذب محدَّد ولا يتغيَّر أبداً، فإنَّ التجارب الاجتماعية والتأويلات المختلفة وأساليب ممارسة فعل الكذب تبقى هي قابلة للتغيُّر. فبإمكان فعل الكذب أن ينتج تاريخانية من نوع آخر، تاريخانية داخلية للكذب.

إذا افترضنا بأنَّنا نتوفر في تقاليدنا المُسمَّاة بالغربية على مفهوم موحَّد قار وموثوق فيه للكذب، فلا يكفي أن نعرف بتوفره على تاريخانية نظرية في عمقها، أي ما يميِّزه عن المفاهيم السائدة في مراحل تاريخية وثقافات أخرى.

ويتساءل المؤلِّف: كيف يمكن أن يكون للكذب تاريخ مستقل في حين أنَّ التاريخ، والتاريخ السياسي على وجه الخصوص يزخر، كما يعلم الجميع بالكذب؟ كيف يمكن أن يكون للكذب تاريخ جوهري ولصيق بخصائصه الداخلية في حين أنَّه يُعاش من خلال تجارب مشتركة، وبنيته تبدو بديهية والظروف المهيأة لنشوئه لا ترتبط بزمان ومكان محدَّدين؟. وهنا يأخذ دريدا بدراسة ل (حنَّة أرندت) في «السياسة والكذب» .

حيث تسعى إلى لفت الانتباه إلى أنَّ تاريخ الكذب شهدَ تحولاً يبدو جلياً إنْ على مستوى تاريخ الكذب كمفهوم، وإنْ على مستوى تاريخ مختلف الممارسات التي تشكِّل فعل الكذب. وبالإضافة إلى هذا، فالكذب لم يبلغ حدوده المطلقة ليصبح «كاملاً ونهائياً» إلاَّ في عصرنا هذا, والأمر يتعلَّق إذن برُقيِّ وانتصار الكذب. وعندما نحصر اهتمامنا في الفنون والآداب، نجد بأنَّه قد سبق لأوسكار وايلد أن اشتكى ممَّا نعته من خلال عنوانه المعروف ب «انحطاط الكذب».

وهذا الانحطاط يمكن ملاحظته حسب وايلد لدى السياسيين والمحامين بل وحتى الصحافيين. فمستوى هؤلاء في إتقان الكذب في هبوط مستمر، بل إنَّهم توقَّفوا عن ممارسة فن الكذب. فالكذب فنٌّ لا يمكن له الاستمرار إلاَّ من خلال ممارسات فنانين، خاصة منهم أولئك الذين يتعاطون الأدب، غير أنَّهم يجدون أنفسهم مهددين من جرَّاء انحطاط الكذب.

وهكذا يظهر جلياً بأنَّه في حين أنَّ وايلد يشتكي من احتضار الكذب، تُبدي «أرندت» قلقها من التضخم والتنامي المفرط للكذب في علم السياسة، ومن بلوغه إلى حدِّه الأقصى، أي الكذب المُطلق. ولا يتعلَّق الأمر هنا بالمعرفة المطلقة كحدٍّ نهائي للتاريخ، بل بالتاريخ وهو يتحوَّل إلى كذب مُطلق.

ويرى جاك دريدا أنَّ رفض «حنة أرندت» لإمكانية الاستمرار اللانهائي لعمليات الختل، فهي تجعل من التاريخ من حيث هو تاريخ الكذب، الحدوث السطحي والظاهرة العارضة لمجيء الحقيقة.

المؤلف في سطور

جاك دريدا «1930 ـ 2004». فيلسوف وباحث فرنسي. لديه دراسات ومؤلفات معمقة في شتى حقول الفلسفة والفكر.

الكتاب: تاريخ الكذب/ دراسة

تأليف: جاك دريدا

ترجمة: رشيد بازي

الناشر: المركز الثقافي العربي/ الدار البيضاء – بيروت 2016.

الصفحات:

117صفحة

القطع: المتوسط