يمثل كتاب «تاريخ دمشق المنسي..أربع حكايات 1916-1936» لمؤلفه سامي مبيّض، مجموعة من الدراسات التاريخية، ويتناول مراحل مختلفة ومنسيّة من تاريخ مدينة دمشق المعاصر.

القصة الأولى، وعنوانها «الأمير سعيد الجزائري»، وتدور أحداثها في سبتمبر 1918، وتحكي عن الأسبوع الفاصل بين خروج العثمانيين ودخول الجيوش العربية والإنجليزية مدينة دمشق نهاية الحرب العالمية الأولى، إذ شهد أحداثاً جساماً تمثلت بانتشار النهب والسرقة في أرجاء دمشق، فما كان من أهاليها إلا أن نهضوا، بمساعدة الأمير سعيد الجزائري، ليمسكوا بزمام الأمور ويعيدوا الحياة والخدمات والأمن إلى مدينتهم.

ومن دون انتظار مساعدة من أحد، بايع الدمشقيون الأمير سعيد حاكماً عليهم، وبذلك عطلوا كل الوعود المقطوعة من الإنجليز للشريف حسين بن علي، أمير مكة وقائد الثورة العربية الكبرى، بتعيين أحد أبنائه حاكماً على دمشق بعد جلاء الجيوش العثمانية، ولهذا السبب وحده حكم على هذه التجربة بالإعدام في كتب التاريخ الأجنبية وشطبت من التاريخ السوري المعاصر.

بايع الدمشقيون فيصل بن الحسين ملكاً عليهم في الثامن من شهر مارس عام 1920، بعد تشكيل الحكومة العربية في دمشق بصلاحيات كاملة، مع مجلس وزراء ومجلس نوّاب جرت له انتخابات عامّة سنة 1919، وسقط حكم فيصل بعد أشهر قليلة، ونفي إلى خارج البلاد، بعد معركة ميسلون التي مهدت لدخول الفرنسيين إلى دمشق بتسعة آلاف عسكري، وقاموا بحلّ الجيش السوري، هرب فيصل إلى عواصم أوروبا، مطالباً الحكام بتعويضه بعرض عربي، فقلّده البريطانيون عرش العراق عام 1921، وتوفي في أحد مستشفيات سويسرا عام 1933، ولم يعد لورانس إلى دمشق إذ توفي في بريطانيا إثر حادث دراجة نارية عام 1935.

أمّا الأمير عبد القادر فأردي قتيلاً بأمر من رضا باشا الركابي، والأمير سعيد الجزائري عمرّ طويلاً حتى عام 1970. وكتب له أن يصبح شاهداً على ستة وعشرين عاماً من الاحتلال الفرنسي وجميع الانقلابات، منذ عام 1949، حتى قيام حكم البعث. ولا تزال قصة الأمير سعيد الجزائري منقوصة، لأنها ببساطة لم يقترب منها أحد سوى لورانس العرب بمذاكراته الإشكالية، وإلى حين تسليط الضوء بشكل علمي، تبقى رواية الأمير سعيد نفسه لأحداث عام 1928، هي الأدق لما حدث في دمشق.

القصة الثانية هي «التجربة الفيدرالية في سوريا» التي بدأت في يونيو 1922، وانتهت بعد ثمانية عشر شهراً فقط، عندما أسقطها السوريون أنفسهم، وهي قصة ما عُرف يومها بـ«الاتحاد السوري الفيدرالي» تلك التجربة كانت محاولة فرنسية لتجزئة المجزّأ من سوريا الكبرى. وفرض نظام حكم غريب عن بلاد الشام وعادات أهلها وتاريخهم، «إن الاتحاد الفيدرالي فشل فشلاً ذريعاً، لأنه لم يأخذ في عين الاعتبار مطالب السوريين بالوحدة، وفرض عليهم بالإكراه من ضباط فرنسيين لا يعرفون هذه البلاد ولم يستشيروا أحداً من أبنائها أو أعيانها، إنْ من طريق انتخابات أو استفتاء، فأسقطه أبناء دمشق وحلب والساحل السوري بالممارسة.

القصة الثالثة، هي تأسيس كلية الطب في دمشق عام 1903، التي كانت نواة بناء الجامعة السورية عام 1923، تدور أحداث هذه» المنسيّة «من بداية القرن العشرين وحتى نهاية رئاسة الدكتور رضا سعيد في عام 1916، وهي تقص فصلاً كاملاً من تاريخ دمشق ودور المدينة الريادي بنشر العلم والمعرفة في المشرق العربي، ويبين الكتاب أن صناع الأوطان هم ليسوا فقط من السياسيين والثوار، بل أيضاً من الشعراء والكتاب والأساتذة والأطباء، وجميع هؤلاء أنشؤوا الجامعة السورية وطوروها منذ ولادتها.. إذ أسس الدمشقيون لجامعة عريقة لم تعرف المنطقة مثيلاً لها سوى الجامعة الأميركية في بيروت، ولأن العاصمة دمشق هي مدينة نور وعلم، تصدر علمها للآخرين قبل أن تنهل من علومهم، وتؤسس لجيل كامل من الثوار الرافضين مشاريع الغرب في بلادهم.

وتسرد القصة الرابعة» جمهورية الرئيس محمّد علي العابد «تجربة الرئيس العابد في الحكم، والتي كانت الأطول مقارنة بتجربة نظرائه أيام الفرنسيين، إذ كانت فريدة بأحداثها الجسيمة، ويجب أن تدرس، أولاً لأن العابد كان الرئيس الأول للبلاد، وثانياً لأنها همشت في كتب التاريخ، كان الرئيس العابد ذا خلق رفيع وطموح عالٍ، وضع الدعامات الأولى لمؤسسة حكم كانت ضعيفة وصغيرة في عهده ثم كبرت وتشعبت وتعاقب عليها بالسيف والنار واحد وعشرون حاكماً، وخرجت في جنازته دمشق بكاملها، مات معظم نظرائه إما رمياً بالرصاص أو خلعاً أو نفياً أو إهمالاً من السوريين أنفسهم.

القاسم المشترك في هذه القصص هي الخالدة دمشق، مسرح الأحداث ومنارة الشرق، ويؤكد المؤلف أنه تتعرّض هذه المدينة العظمية حالياً لحرب ضروس دمّرت الماضي القريب وشوّهت الحاضر والمستقبل معاً. إلا أنها لم تستطع أن تلغي ذاكرة أهلها الطيبين، المحبين للحياة والطامعين دوماً بغد أفضل. ستبقى دمشق شاهدة على التاريخ، وستروي ما حدث ذات يوم لها ولأبنائها لأجيال وأجيال، وحدنا نحن نصنع التاريخ، ووحدها دمشق تكون الملهم والمعلم الأكبر والشاهد الحي على تاريخ البشرية.

المؤلف في سطور

سامي مبيّض. مؤرخ سوري. درس في الجامعة الأميركية في بيروت وجامعة اكستر البريطانية، يحمل شهادة الدكتوراه في التاريخ عن أطروحته» سورية مطلع عهد الاستقلال". من أعماله: سورية بين الديمقراطية والديكتاتورية، فولاذ وحرير، نساء ورجال صنعوا التاريخ.

الكتاب:

تاريخ دمشق المنسي..أربع حكايات "1916-1936"

تأليف:

سامي مروان مبيّض

الناشر:

دار الريّس، بيروت – لبنان 2016

الصفحات:

320 صفحة

القطع:

المتوسط