يتطرق كتاب «المسيحيون بين الوطن والمقدس (الدور والمصير)»، لمؤلفه الدكتور إكرام لمعي، إلى قضية وطنية مهمة، جوهرها تعزيز اللحمة الوطنية في دولنا وتأكيد التقارب الفكري والثقافي والتلاقي ووحدة المصير بين أفراد المجتمع من مختلف الديانات. ويبين المؤلف أنه يتوجب على الشعوب في لحظات تاريخية معينة، اتخاذ قرارات صعبة لتعبِّر عن هويتها، وإذا تسربت هذه اللحظات من قبضتها يبدأ الاضمحلال.

فمصر التي قدمت أول حضارة إنسانية احتضنت المسيحية ثم الإسلام، فعصْرَنَتْ حضارتها ومصْرَنَتْ أديانها، وها هي تقف اليوم في امتحان كيفية الحفاظ على الحضن الذي يضم كل من هو مصري حتى لو لم يكن يدين بأحد الأديان السماوية.

هذا الكتاب يتعرض إلى هذه اللحظة التاريخية، معلناً أن مصر هي النموذج؛ وذلك بسرد تاريخ التفاعل المسيحي الإسلامي على مدى أكثر من ألف وخمسمئة عام، بدءاً من الدولة الأموية حتى الفترة الحالية.. وخاصة في ما عاشته البلاد خلال ثورات «الربيع العربي»، ويتعرض المؤلف إلى سؤال: ما الدور المنوط بالمصريين القيام به لأجل مستقبل مصر في صراعهم بين الوطن والمقدس؟ ويركز في إجابته ودراسته على الدور الذي قام به المسيحيون طوال التاريخ والمصير الذي يجب أن يصنعوه مع إخوتهم المسلمين يدا بيد وكتفا بكتف.

ويتناول الكتاب مجموعة الموضوعات والجوانب الرئيسية في صلب هذه القضية، من خلال فصول موسعة ومنهجية؛ تتناول تاريخ المسيحيين قبل ظهور الإسلام وفترة الدولة الإسلامية والتغير الذي طرأ على مصر الحديثة.. وصولاً إلى ثورة 25 يناير والموقف المسيحي الحاضر.

يستهل المؤلف كتابه مشيرا إلى أنه في عام 1219 جاء إلى مصر القديس فرنسيس الأسيسي، مؤسس رهبنة الإخوة الأصاغر (الفرنسيسكان) التي ينتمي إليها بابا الفاتيكان الحالي فرانسيس الثاني، واستطاع الأسيسي أثناء معركة حصار دمياط بواسطة القوات الصليبية، أن يعبر إلى معسكر السلطان الكامل الأيوبي خارج مدينة فارسكور.

وتحت عنوان «المسيحيون قبل الإسلام» يأتي الفصل الأول متسائلاً: «هل كان في الأصل هناك مسيحيون عرب قبل الإسلام؟ وإذا كانوا ـ وهو المرجح ـ ماذا كان تأثيرهم في بيئتهم العربية؟ وما مدى تفاعلهم مع الحضارات التي عاشوا في ظلها؟».

ويدرس الفصل الثاني «دخول الإسلام إلى منطقة الشرق الأوسط والدولة الأموية»، الكثير من المسائل في هذا الصدد وتحت إطار العنوان المذكور، موضحاً كيف اختلف المسيحيون العرب عن المسيحيين البيزنطيين في عقيدة طبيعة المسيح وكيف أثر ذلك في موقف المصريين من الفتح الإسلامي في 641م بعد 12 عاما من انسحاب الفرس وعودة البيزنطيين؛ إذ كان دخول العرب المسلمين إلى مصر حربا على البيزنطيين الحاكمين للبلاد، أكثر من حرب على المصريين أهل هذه البلاد المحتلين المغلوبين على أمرهم.

ويأتي الفصل الثالث مفسرا للعلاقة بين المسيحيين والمسلمين خلال العصر العباسي. ويذكر في هذا الفصل أن بعض المسيحيين، بسبب مناصبهم المرموقة، تمردوا على القوانين التي تحد من حريتهم، مثل: الملبس الخاص بهم ومبدأ دفع الجزية. إذ تعمدوا رفض الاثنين، وهم كانوا أرستقراطيين يمارسون الرياضة ويرتدون الملابس الفاخرة.

ويوضح الفصل الرابع العلاقة بين المسيحيين والخلافة العثمانية؛ فيشير الكاتب إلى أن المسيحيين كان لهم حضور كبير في الإدارة المالية.

ويختم الكتاب فصوله بتقديم رؤية حول أوضاع المسيحيين في فترة حكم الرئيسين السابقين أنور السادات وحسني مبارك، وكذلك ما بعد ثورة 25 يناير، وما تعرضوا إليه في أحداث ماسبيرو 2011. وما تبع ذلك من وقائع الإرهاب ضد الكنائس ومحاولات الإخوان للنيل من وحدة الشارع المصري، بمسلميه ومسيحييه.

علاقة وثيقة

يرصد الفصل الخامس في الكتاب، موضوعا حيويا في تاريخ وحاضر مصر، التي يعدها المؤلف نموذجا للتلاقي والانفتاح بين المسلمين والمسيحيين، ملامح الحضور الكبير للمسيحيين في مصر الحديثة، مبينا انه كان لهم ظهور في الكوادر السياسية والثقافية، مثل: مكرم عبيد ولويس عوض.. وكذلك إستر فهمي ويصا.

المؤلف في سطور

إكرام لمعي. قس وكاتب وباحث.رئيس مجلس الإعلام والنشر بالكنيسة الإنجيلية.

الكتاب:

المسيحيون بين الوطن والمقدس (الدور والمصير)

تأليف:

إكرام لمعي

الناشر:

الهيئة المصرية العامة للكتاب-القاهرة 2016

الصفحات:

251 صفحة

القطع:

المتوسط