تبدأ الكاتبة نابغة ذبيان روايتها «كوكب على ورقة»، بالجلوس في شرفة بيتها القابع في شارع الحمرا في بيروت، هذا الشارع التصقت به أنفاسها منذ الطفولة، يشعرها بالغبطة التي تتكئ عليها وتمشي بفخر، ومقاهي هذا الشارع حكاية تختال فيها الثقافة والإبداع والمقاومة، وكأنها تفخر ببسط سلطانها على حجارته وذاكرته.
مقهى «المودكا» شبه خال، مرتاح من ثقل الناس، من همومهم، ثرثراتهم مبادئهم، أحلامهم، وشارع «الحمرا» يجمع مختلف الطبقات الاجتماعية، شارع ذو فلسفة لذيذة، مشهد الطبقية قاس، لكن هذا الشارع إنساني بامتياز لاحتضانه الجميع دون استثناء.
تجلس الكاتبة إلى إحدى الطاولات في المقهى، ومن هذه الطاولة ترصد الشارع والناس الذين في داخله، والناس الذين في خارجه، إنها تشرب فنجان «الكابوتشينو» وتراقب شارع الحمرا قلب بيروت.
في الرواية سنلمح الحداثة والجرأة والعمل المحكم تسيطر على مجرى الأحداث، وعلى طاولتها في المقهى تشرع بالكتابة، فتبدأ بالتقاط حدث ما لتنسج حوله حكاية، يجذبها شخص بجاذبيته المفرطة، وحين ذلك، يسمح الرجل لنفسه بأن يجالسها إلى طاولتها، وتبدأ قصة حب بين الاثنين. لنكتشف بعد ذلك، أن هذا الرجل صحافي واسمه ماجد، وهو في الخمسين من عمره.
تناقش في الرواية مشكلة الزواج من بقية الطوائف والأديان، ومشكلة المرأة في المجتمعات التي لا تفكر بشكل صحيح.
في الرواية أربع نساء من دفعة البراءة، كن رفيقات في قضية الطفولة، واختارت كل واحدة الجامعة التي تحب.. لارا وهي، أي أليسار"الراوية"..أمّا دانا وخلود فبقيتا على مسافة منهما، وحول هؤلاء تدور الحكاية. أليسار العلي الشخصية التي تحرك العمل الروائي، لها بيت في شارع الحمرا، وبيت الأهل الذي يستوطن فيه الأب والأم، في هذا الجبل الذي تذهب إليه كلّ أسبوع..
حيث نجد أباً منفتحاً تشرح له أليسار على ما يصيبها من مشاكل..والشخصية التي تدور حولها الأحداث، تحضر دورة في دولة الإمارات، دبي..
وهذه هي المرّة الثانية التي تذهب إلى الإمارات، وفيها تلتقي امرأة تونسية، تشغل وظيفة مساعدة مدير في فرع الشركة في تونس، وهي لا تثق إلا بالتجربة، امرأة ناضحة تفوح منها الحياة، «امرأة أخذت من الحياة كل ما تبغيه، تألمت، فرحت، اكتشفت، تعلمت. وها هي شامخة على الرغم ممّا تعرضت له من مآسٍ».
أحداث كثيرة شدتنا إليها أليسار العلي، لكن أهمها هذا الحدث، فقد جاءت إلى القرية لتقضي يومها، وفيها تلتقي بسليمان في ضيافة الوالد، وهو تونسي أيضاً، جاء إلى بيروت لأنه سيقيم معرضاً فيها مع فنانين عرب، وبعد تبادل الأحاديث بينهما، تنتبه لتحديق سليمان إليها بطريقة مركّزة..
ويبدأ برسم وجهها في بيروت. ثم تنشأ بينهما علاقة حبّ قويّة، وعندما يسألها الفنان طالباً منها أن تتزوجه ترفض. وتذهب الفتاة إلى تونس لتعيش أجمل أيام حياتها، إنها كرحلة أليسار التي خافت من أخيها فهربت منه إلى تونس، وأسست حضارة، وصلت إلى إيطاليا. ولكنها ترفض. الجميع يعاتبها ويلومها على تركها لهذا الزواج، ولكنها تخبرهم بأنّ هذا هو رأيها، إنها تحافظ على هذا الحب العظيم..
وبعد سنتين من العذاب، يتصل بها سليمان اليعقوبي، فترحب به، ليخبرها أن تأتي إلى تونس لأمر ضروري جداً، وبين الذهاب وعدمه تقرر الرحيل إلى تونس لتجده في حالة يرثى لها «جسم هزيل ووجه شاحب» فتقرّر أن تبقى بجانبه ما تبقى من حياته، ويتزوجان بموافقتها.
وبموت سليمان بعد أن يودع لها مبلغاً من المال .. ويدفن في قرطاج، بينما هي عادت إلى بيروت وتحوّلت من امرأة أنيقة جذابة تعرف كيف تتعامل مع الزبائن إلى كيان لا لون له، ولا رائحة، شكلي ومظهري تبدلا رأساً على عقب، شخصيتي النابضة والواعية أصبحت كالخبز المجفف.
الرواية حفلت بالشخصيات، والكاتبة استطاعت أن توصل كل شخصية إلى منتهاها، دون أن تعتدي واحدة على أخرى.
تجسيد وتقنيات
دارت بنا الكاتبة في بيروت وتونس، ودبي وسوريا، لتصنع رواية أقل ما يقال عنها إنها مدهشة في صنعتها وتجسيد لغتها وحبكتها وتقنيات سّردها ومتعة قراءتها.
المؤلفة في سطور
نابغة ذبيان. كاتبة لبنانية. مواليد الشوف – لبنان، تخرجت من الجامعة اللبنانية – الأميركية في بيروت، اختصاص إدارة أعمال وتسويق. تشغل حالياً منصب نائب رئيس مدارس »الليسه ناسيونال «.
الكتاب: كوكب على ورقة «رواية»
تأليف: نابغة ذبيان
الناشر: جداول للنشر والترجمة والتوزيع – بيروت 2016
الصفحات:
264 صفحة
القطع: المتوسط
