في كتاب «التحول الديمقراطي فى روسيا من يلتسين إلى بوتين ـــ التجربة والدروس فى ضوء الربيع العربي»، للدكتور هاني شادي، يتناول المؤلف تاريخ انتقال روسيا من «الشمولية السوفييتية» إلى نموذج «الديمقراطية الموجهة» القائم حالياً.
ويدرس في الفصل الأول «التحول الديمقراطي في الفضاء السوفييتي ـ نظرة عامة»، ومفهوم «الديمقراطية الموجهة»، إضافة الى عملية التحول الديمقراطي في روسيا في إطار نظريات الانتقال إلى الديمقراطية.
وفي الفصل الثاني «يلتسين والديمقراطية» يشير المؤلف إلى الخطوات التي أقدم عليها الرئيس الروسى الأسبق بوريس يلتسين، لغرس بذور نموذج «الديمقراطية الموجهة».
فبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، كان أول ما أعلنه يلتسين هو العمل على إعادة روسيا إلى «الحضارة العالمية والانتقال إلى اقتصاد السوق وبناء دولة ديمقراطية على غرار النموذج الغربى»ـ ولكنه اتجه نحو «الديمقراطية الموجهة»، وبناء نظام سياسي يتضمن، بجانب السمات الإجرائية للديمقراطية، سمات الحكم الفردي.
وبعبارة أخرى، تأسيس نظام «هجين» يجمع بين عناصر من الديمقراطية الإجرائية، وعناصر من التسلط والحكم الشخصي للحاشية المقربة من رأس الدولة.
وذلك فى ظل دعم من الدول الغربية التي كانت تتخوف من عودة الشيوعية فى تلك الفترة المبكرة من التحولات فى روسيا، فاتبع يلتسين خطوات معينة، في مقدمتها التخلص من البرلمان، وقصفه بالدبابات، ووضع دستور جديد يمنحه صلاحيات كبيرة وواسعة في مواجهة السلطة التشريعية.
وإجراء انتخابات رئاسية في 1996، امتزج فيها المال السياسي بالسلطة والتزوير، من أجل الاستمرار فى الحكم لولاية ثانية. وبعد ذلك، نقل يلتسين السلطة الرئاسية إلى «الوريث» فلاديمير بوتين، من أجل الحفاظ على النظام الذي أسسه.
ولعب وفريقه من أنصار «الليبرالية الجديدة» دوراً كبيراً فى عزوف المواطنين فى روسيا عن التمسك بالقيم الديمقراطية، بسبب إصلاحات السوق الراديكالية، والنتائج السلبية التي تمخضت عنها، فهذه الإصلاحات التي اعتمدت على مبدأ أن «السوق قادرة على حل جميع المشاكل وبناء الديمقراطية»، انتهت بأزمة سياسية واقتصادية عنيفة في البلاد، وجعلت الروس يهللون للزعيم الجديد صاحب القبضة القوية، بوتين.
وفي الفصل الثالث «صعود بوتين وترسيخ الديمقراطية الموجهة» يكشف المؤلف عن الخطوات والآليات التي اتبعها فلاديمير بوتين لترسيخ نموذج «الديمقراطية الموجهة» في روسيا على مدار السنوات الأخيرة، ذلك النموذج الذي لا يفترض «تداول السلطة»، عبر انتخابات نزيهة وشفافة بين القوى السياسية المختلفة في المجتمع الروسي.
وإنما يفترض «تبادل السلطة»، خاصة الرئاسية، داخل المجموعة الضيقة، التي تسيطر على الحكم في البلاد. ونتيجة لذلك، لم تصل المعارضة السياسية إلى السلطة في روسيا حتى وقتنا الحاضر..
كما حدث في بلدان شرق ووسط أوروبا، إذ جاء الوريث (بوتين) ليعمل بقوة على ترسيخ «الديمقراطية الموجهة»، وتقوية سلطته الشخصية من خلال تقوية السلطة المركزية في مواجهة الأطراف المكونة للاتحاد الفيدرالي الروسي، غير أن هذا النموذج بات يعاني اليوم من مأزق كبير. وفي الفصل الأخير يشير المؤلف إلى «مستقبل الديمقراطية الموجهة في روسيا»..
ويتعرض لعودة بوتين إلى الكرملين من جديد فى مرآة «الربيع العربي»، ويربط بين نموذج «الديمقراطية الموجهة» القائم في روسيا وموقف الكرملين «المتحفظ والحذر» من الانتفاضات الشعبية في بعض البلدان العربية. ويتطرق أيضاً إلى السيناريوهات المختلفة والمحتملة، المطروحة في الساحة الروسية والمتعلقة بمستقبل النظام السياسي في روسيا.
ويتناول آراء العديد من الباحثين الروس، الذين يعتقدون أن أزمة نظام «الديمقراطية الموجهة» في روسيا «حتمية»، ويعتبرون أن السيناريو الأمثل هو إحداث «ثورة من أعلى»، على غرار ما جرى مع ميخائيل غورباتشوف نهاية عهد الاتحاد السوفييتي السابق.
أما السيناريو الثاني، فيتعلق بمرور روسيا بدورة جديدة من حكم بوتين تعتمد بشكل أساسي على تراث يوري أندروبوف، الذي تولى رئاسة الـ«كي جي بي» لفترة طويلة، وتولى قيادة الاتحاد السوفييتي في مطلع الثمانينيات من القرن ال20 لمدة 15 شهراً.
ومن المعروف أن بوتين لا يخفي إعجابه بيوري أندروبوف، إذ شرع أندروبوف فى ثمانينيات القرن الماضي في تنفيذ مجموعة من الإصلاحات الإدارية والاقتصادية من «أعلى»، من دون المساس بالنظام السياسي السوفييتي، حيث تركزت إصلاحاته أساساً على محاربة الفساد، والتأكيد على ضرورة السيطرة بقوة على النظام السياسي، وقيادة الدولة للاقتصاد عبر دور أساسي لجهاز الـ«كي جي بي».
إن عودة بوتين إلى الكرملين مجدداً فى 2012، والاحتمال الكبير لاستمراره فى الرئاسة حتى العام 2024، أدت إلى ظهور سيناريو آخر يتعلق باحتمال إصابة روسيا بنوع من «الركود» على غرار فترة حكم ليونيد بريجنيف للاتحاد السوفييتي. ويستند هذا السيناريو إلى أن استمرار بوتين في الحكم لفترة جديدة طويلة، ربما يزيد من ميل النخبة الحاكمة نحو النزعة «المحافظة».
وإذا استمر بوتين فى الحكم حتى عام 2024، سيكون بذلك قد حكم روسيا كونه رئيساً لمدة 20 عاماً، وإذا أضفنا الأعوام الأربعة التي تولى فيها رئاسة الوزراء (2008 ـــ 2012)، وسيكون قد حكم روسيا لمدة 24 عاماً.
وهي مدة أقل قليلاً من مدة حكم ستالين (30 سنة)، وأطول من مدة حكم بريجنيف (18 عاماً).
ومن السيناريوهات الأخرى، التي تُطرح في الكتاب، سيناريو «الربيع الروسي» على غرار «الربيع العربي».. ويتعرض المؤلف فى كتابه إلى آراء المدافعين عن نظام بوتين (نظام الديمقراطية الموجهة)، الذين يعتقدون أن بوتين بعد عودته من جديد إلى الكرملين، سيجرى إصلاحات سياسية واقتصادية مهمة تخلص روسيا من الفساد وتحقق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
المؤلف في سطور
د.هاني شادي. كاتب وباحث مقيم في روسيا. وهو أستاذ الاقتصاد السياسي في جامعة موسكو. لديه كتب ودراسات سياسية متنوعة.
الكتاب: التحول الديمقراطي فى روسيا من يلتسين إلى بوتين ـ التجربة والدروس في ضوء الربيع العربي
تأليف: د.هاني شادي
الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب-القاهرة 2015
الصفحات:
247 صفحة
القطع: المتوسط

