يضم كتاب (في سبيل العربيّة) لمؤلفه د. محمود أحمد السيد، تسعة أبحاث أكاديميّة، تتناول اللغة العربيّة من جوانب مختلفة، كان الباحث السيد قد أنجزها وشارك فيها، بعدد من الندوات والمؤتمرات المحليّة والعربيّة والدوليّة، أقيمت في: دبي ودمشق والإسكندريّة والقاهرة وبيروت.

توقف الكتاب عند تصميم المناهج الجامعيّة، وأثر اللغة في الكيان العربي، ومستقبل اللغة العربيّة ومتطلبات العصر المقبل، ومشكلات اللغة العربيّة، وقضايا تنسيقيّة ملحة في مسيرة التعريب، واللغة العربيّة واللغات الأجنبيّة وموقعها في التعليم العام في الوطن العربي، وواقع تدريس اللغة العربيّة في الجامعات العربيّة، والاستثمار في اللغة العربيّة ثروة قوميّة في عالم المعرفة. وفي الختام، توقف الكتاب عند التجربة السوريّة في التمكين للغة العربيّة.

بدايةً، يعترف الكتاب أن العديد من الدراسات الشبيهة بما احتواه بين دفتيه، تم إنجازه وتعميمه في الثقافة العربيّة المعاصرة، وجميعها تهدف إلى خدمة اللغة العربيّة، وتعزيز مكانتها في الحياة العربيّة، مع ذلك لا تزال الشكوى قائمة في الضعف في أداء العرب اللغوي، وقد يرجع السبب في هذه الشكوى إلى فتور الانتماء من جهة.

وضآلة ما يُنفذ عملياً، من التوصيات التي تصدر عن الندوات والمؤتمرات التي تُعقد لتمكين اللغة العربيّة من جهة أخرى. رغم هذا الواقع غير المرضي، سنظل (كما يؤكد المؤلف) دعاة إلى التمسك بعربيتنا الفصيحة، حريصين على سلامتها، وعاملين على العناية بها، والاهتمام بشؤونها، والارتقاء بواقعها، والتمكين لها في حياتنا.

ولن نتخلى عن رسالتنا وواجبنا تجاهها، مشيراً إلى أن الندوات والمؤتمرات العلميّة التي ألقيت فيها الأبحاث التي ضمها الكتاب، اشتملت في معظمها على توصيات ومقترحات، هدفت إلى العناية باللغة العربيّة ومعالجة بعض مشكلاتها، لكن العبرة في التنفيذ الذي (كما يبدو) ليس في يدنا، وهذا ما ذهب إليه الدكتور طه حسين بقوله: (من المؤلم حقاً أن تكون لديك الرغبة، ولكن ليس بيدك القرار). مع ذلك، وكما قال الدكتور عبد الكريم اليافي:

لم يبق شيء بأيدينا سوى لغة

نصونها بسواد القلب والهدب

لهذا يجب علينا، حسب المؤلف، أن نكون حريصين على صون الأمانة، وأن نكون جديرين بلغتنا الأم (العربيّة الفصحى) أبناء بررة لها في عصر من سماته العقوق والجحود والنكران لقيم الحق والخير والجمال. والسؤال الرئيس الذي أثاره الكتاب هو: ما مستقبل اللغة العربيّة ؟

ويؤكد المؤلف أن هذا السؤال طُرح في العقد الثالث من القرن الماضي، وأجابت عنه كوكبة من رجالات الفكر، ولا يزال هذا السؤال مطروحاً في أيامنا، في أجواء تُشير إلى أن ثمة لغات تنقرض سنوياً على الصعيد العالمي.

وأن المنظمة الدوليّة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) تحذر المجتمع الدولي من خطورة انقراض عدد من اللغات الأم، الأمر الذي دعاها إلى تخصيص اليوم العالمي للاحتفال باللغة الأم في الحادي والعشرين من شهر فبراير من كل عام، كي تقوم المجتمعات بالحفاظ على لغاتها عنواناً لشخصياتها، ورمزاً لذاتياتها الثقافيّة، في ضوء ما اعتمدته المنظمة الدوليّة في الأخذ بالتعدد الثقافي، والتنوع اللغوي.

يرى نفر من المفكرين (بحسب الكتاب) أن اللغة العربيّة ستبقى في المستقبل، محافظة على كيانها، ولن تعرف الأفول والانقراض، ما دام القرآن الكريم حارساً لها، ومحافظاً عليها، فها هو ذا (جون فرن) الكاتب القاص الفرنسي، ذو الخيال العلمي، يقول في إحدى قصصه:

( إن قوماً اخترقوا باطن الكرة الأرضيّة، وخطر لهم أن يتركوا هناك أثراً يدل على مبلغ وصولهم، فتركوا هناك حجراً نُقشت عليه عبارة باللغة العربيّة) ولما سألوا هذا الكاتب: لماذا اخترت اللغة العربيّة من بين اللغات العالميّة كافةً ؟. أجاب: لأنها لغة المستقبل، ولا شك أنه سيموت غيرها في حين تبقى هي حيّة...

وأشار جبر ضومط، عندما أشار إلى الترابط بين اللغة العربيّة والقرآن والحديث النبوي، إذ يقول: ( في كل اللغات الراقية لهجات عاميّة مختلفة.

ولكن اللغة الفصحى لغة المعلمين والمتعلمين، وهي لغة المدارس والجرائد والكتب، وإذا بقي الإسلام وسيبقى، فلغة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف وسائر الآداب العربيّة، منذ عهد الرسول إلى اليوم، أقوى من سائر اللغات الأوروبيّة على هضم اللهجات العاميّة المختلفة. ولذلك فستبقى هذه اللغة الشريفة كما كانت لغة العلم والمتعلمين والأدباء والمتأدبين، ولغة الصحافة والمؤلفين إلى ما شاء الله.

المؤلف في سطور

د. محمود أحمد السيد. باحث سوري حاصل على دكتوراه في التربيّة تخصص مناهج وطرائق تدريس اللغة العربيّة، من جامعة عين شمس عام 1972. شغل العديد من المناصب في سوريّة منها: وزير تربية، ثم وزير ثقافة، وعميد كلية التربية، وهو اليوم مدير عام هيئة الموسوعة العربيّة، ونائب رئيس مجمع اللغة العربيّة في دمشق. له ما يربو على أربعين مؤلفاً في التربية والثقافة واللغة.

الكتاب: في سبيل العربيّة

تأليف: د. محمود أحمد السيد

الناشر: الهيئة العامة السوريّة للكتاب – دمشق 2015

الصفحات:

248 صفحة

القطع: المتوسط