يعد كتاب «مصر ومشكلة مياه النيل»، للباحث د. زكي البحيري، دراسة موسوعية معتمدة على كم كبير من الوثائق والمصادر المصرية والأجنبية٬ تعالج واحدة من أهم القضايا التي تهم شؤون مصر في الماضي والحاضر والمستقبل.

ينطلق الكتاب من كون مياه النيل هي الوجود بالنسبة لذلك البلد٬ وضمان تدفق هذه المياه التي هي شريان الحياة لمصر من أهم قضايا الأمن القومي لها٬ وهي مسألة حياة أو موت للشعب المصري.

والكتاب الذي يتطرق إلى كثير من المسائل والموضوعات الجغرافية والمائية والتاريخية والقانونية والسياسية، يحتوي على ثلاثة عشر فصلًا٬ يتحدث فيها المؤلف عن نهر النيل وملامحه الجغرافية٬ وطبيعته الجيولوجية ومشروعات التخزين المائي فيه٬ ويناقش حقوق مصر التاريخية في مياه النيل في ضوء موقف القانون الدولي الحاكم لاستخدامات مياه الأنهار الدولية.

كما يعرض لاتفاقيات مياه النيل التي تحفظ تلك الحقوق٬ وموقف دول الحوض منها٬ خاصة بعد عقد اتفاقية «عنتيبي» التي وقعت عليها بعض دول حوض النيل دون موافقة مصر والسودان في منتصف عام 2010.

ويتساءل المؤلف: ما مدى خطورة »سد النهضة« على مستقبل مصر المائي؟

ويبين في إجابته انه اختلف المراقبون والمسؤولون حول تأثير بناء السد الإثيوبي على مستقبل مصر المائي، إلا أن القاهرة لديها العديد من المخاوف حول هذا المشروع، فمصر تخشى من انخفاض مؤقت للمياه يؤثر على توافرها نظراً لفترة ملء الخزان والانخفاض الدائم بسبب التبخر من خزان المياه، خاصة أن حجم الخزان يبلغ حوالي ما يعادل التدفق السنوي لنهر النيل على الحدود السودانية المصرية:65.5 مليار متر مكعب.

فإذا افترضنا أن فترة ملء الخزان ستكون 5 سنوات فهذا يعني استهلاك السد لـ 15 مليار متر مكعب من الماء سنويا على مدار 5 سنوات، تخصم من مصر والسودان بنسبة حصتيهما 3 إلى 1 بما يعني تناقص حصة مصر السنوية بحوالي 12 مليار متر مكعب على الأقل لتصل إلى 40-43 مليار متر مكعب سنوياً، وهو ما قد يمثل كارثة بالنسبة لمصر.

حيث ستصبح حصة الفرد أقل من 650 متراً مكعباً من الماء سنوياً أي أقل من ثلثي المعدل العالمي »1000 متر مكعب للفرد«، كما أنه في مقابل كل مليار متر مكعب تنقص من حصة مصر المائية، فإنه من المتوقع أن تخسر مصر 200 ألف فدان زراعي..كذلك السد سيؤثر على إمدادات الكهرباء في مصر بنسبة 25 % إلى 40 %، مما سيعمق من أزمة الكهرباء التي تعيشها البلاد.

بالإضافة إلى أن سد النهضة الإثيوبي الكبير يمكن أن يؤدي أيضاً إلى خفض دائم في منسوب المياه في بحيرة ناصر إذا جرى تخزين الفيضانات بدلا من ذلك في إثيوبيا، وهو ما من شأنه أيضاً أن يقلل من قدرة السد العالي.

ويجيب المؤلف عن تساؤل: «من وراء تمويل السد.. وما الدور الخفي لإسرائيل؟»، مبيناً انه أعلنت الحكومة الإثيوبية أنها تعتزم تمويل كامل لتكلفة السد بنفسها، وأصدرت سندات تستهدف الإثيوبيين في البلاد والخارج لهذه الغاية، ويقال إن التمويل سيتم من قبل البنوك الصينية، وهذا من شأنه ترك 3 مليارات دولار أميركي يجري تمويلها من قبل الحكومة الإثيوبية ومن خلال وسائل أخرى.

وهناك معلومات متداولة عن تورط إسرائيل في تمويل هذا السد بغرض التضييق على مصر في أزمة المياه، إلا أنه لا توجد وثائق تؤكد هذا التورط، لكن في الوقت ذاته فإن النفوذ الإسرائيلي في دول حوض النيل صار حقيقة لا تقبل الجدال، حيث تأكد الوجود العسكري في إفريقيا .

أما عن خيارات مصر للتعامل مع الأزمة، فيرى مؤلف الكتاب أنه تلتزم مصر بالإطار الدبلوماسي، وبالتالي بدأت في مفاوضات تأمل أن تنهي الأزمة دون تصعيد، وتحاول إقناع إثيوبيا في الوقت الراهن بضرورة وجود بدائل علمية وفنية للسد من خلال العودة للمواصفات الأولية »11 مليار متر مكعب من المياه بدلاً من 74 مليار مكعب حاليًا«، أو إنشاء مجموعة من السدود الصغيرة التي يمكن أن تولد طاقة كهربائية تعادل ما يمكن توليده من سد النهضة.

وحال فشل هذا الخيار ربما تكون الوساطة هي الطريق الذي تلجأ إليه مصر، من خلال اللجوء لدول إفريقية مثل السودان، وقوى غربية مثل روسيا التي يمكن أن تتدخل هي الأخرى في التوصل إلى اتفاق مقبول بين الطرفين، وتجاوز النقاط الخلافية، أو ربما اللجوء لوساطات خليجية حيث تملك كل من السعودية والإمارات استثمارات ضخمة في إثيوبيا، أو طلب الوساطة من دول مؤثرة، أو رفع القضية في المحافل الدولية كمجلس الأمن.

وهناك الخيار الأخير، حسب الكتاب، الذي يتمثل في التدخل العسكري الذي كان قد هدد به الرئيس أنور السادات، من خلال استخدام القنابل أو الطائرات، وهو ما لا يمكن لمصر أن تفعله بعد اكتمال السد نهائياً لأنه ينذر بفيضانات غير مسبوقة. ولذلك فإن اتبعت مصر هذا الخيار من المرجح أن تفضل ضرب السد أثناء إنشائه في مرحلة متقدمة، أو ربما بعد إنشائه خلال الفترة الأولى وقبل امتلاء خزانه بالمياه للحد من خطورة انفجاره.

الكتاب: مصر ومشكلة مياه النيل

تأليف: د. زكي البحيري

الناشر: عن الهيئة المصرية العامة للكتاب-القاهرة 2016

الصفحات:

740 صفحة

القطع: الكبير

المؤلف في سطور

د.زكي البحيري. باحث وكاتب متخصص في الشؤون السياسية. وهو أستاذ في جامعة المنصورة.