يهدف كتاب «جسر الصورة» للناقدة التشكيلية د. إيناس حسني، إلى إلقاء الضوء على التواصل بين فنون الشرق وأوروبا.
وتبين فيه أنه أثرت فنون الشرق تأثيراً كبيراً في نشأة وتطور فنون التصوير لدى الغرب، وبالتالي أثرت في فنون الغرافيك عندهم، لأنه لا يوجد في أوروبا من مارس فن الغرافيك كفن قائم بذاته، وإنما مارسه بجانب عمله كمصور أو نحات، فنجد مثلاً المصور رامبرنت مارس فن الحفر الحمضي وبرع فيه، ونجد غويا اهتم أيضاً بالحفر، كما اشتغل بيكاسو أيضاً في جميع أنواع الحفر، وكذلك ماتيس وغوغان وفان غوخ وغيرهم الكثير.
ونلمس أثر الفنون الشرقية على فنون الغرب منذ ظهور كتاب مقامات الحريري (1054 - 1122)، وما أحدثه هذا المخطوط من تغييرات على فكر وفلسفة الغرب، حيث ضم عدداً من الرسوم الإيضاحية الرائعة، منها: رسم للمصور محمد الواسطي. وهذا المخطوط موجود الآن في المكتبة الوطنية في باريس.
وكان في حد ذاته مصدر الإلهام لأكثر من فنان غربي حديث معاصر، مثل: آنجر وماتيس وبول كلي. وأيضاً أثرت قصص ألف ليلة وليلة – الفارسية الهندية – في بعض الفنانين أمثال فان لفي، وكما تقول المؤلفة: «وقد لا يكون من المبالغة القول، إن هذا الكتاب كان أول الطريق إلى الاستشراق وانتشار حركته في الغرب».
كذلك نرى في القرن التاسع عشر، موجة طاغية أدت إلى انتشار قوي للفنون الصينية واليابانية على نطاق واسع، في إنتاج المصورين الغربيين عن طريق مطبوعات الخشب. وقد امتزجت فنون الشرق الأقصى بفنون الغرب وأصبحت مبعث إلهام للكثير من الفنانين، وعاملاً مهماً له دوره الكبير في تطور الفنون الأوروبية.
وتمثل الفنون التشكيلية إحدى نقاط التماس بين الحضارتين الشرقية والغربية، فهناك تأثير متبادل بين هذه الفنون التي أنتجها الإنسان على مدى تاريخه الطويل، والتي تظل شاهدة على قوة فنون الشرق حتى الآن في أوروبا: إسبانيا وإيطاليا وفرنسا.
ومع اتصال أوروبا بالشرق الأقصى بدايةً من فترة الكشوف الجغرافية، نجد أن الاستشراق الفني الأوروبي تأثر خلالها بالفن الهندي والصيني والياباني وفنون إفريقيا، وانعكست هذه الفترة بصورتها الاستشراقية في أعمال كثير من المصورين الأوروبيين والمحدثين، أمثال: سيزان، غوغان، بيكاسو، ماتيس.. وغيرهم.
ويتحدث الكتاب عن حياة وأعمال أربعة فنانين تأثر بعضهم بالفن الإسلامي، وبعضهم بفنون الشرق الأقصى، والبعض الآخر بالفن الإفريقي والفن المصري القديم، فبول غوغان تأثر بالفن المصري القديم وبالفن الياباني، وكذلك هنري ماتيس تأثر بالفن الإسلامي، وبيكاسو تأثر بالفنون الإسلامية والإفريقية، وفازاريللي تأثر بالفن الإسلامي «المشربية، الفسيفساء، النجمة والمفروكة الإسلامية».
ويوجد العديد من الفنانين غير بول غوغان الذين قرروا عيش حياتهم كما تصوروها في أعمالهم. لقد عاش غوغان تناقضاً وحيرة في فنه فتاه بين حضارته التي اشمأز منها فأظهر الحياة البدائية بتناغمها البسيط الساذج.
واختار أن يتجه إلى الفن المصري القديم الذي أثبت فيما بعد أنه خير معين له، أراد أن يثبت أن سحر البحار الجنوبية لم يكن بالنسبة إليه وسيلة أو طريقاً للهرب من عالم معاصر يعيش ضمن إطار المعارض الفنية والتقارير الإخبارية عن الفنانين، كما أنه اتجه للفن الياباني.
لقد جسد غوغان وحدة جديدة بين الفن والحياة والفكر والنظام والتصور والواقع. فأصبح أحد الرواد الحقيقيين للحركة المعاصرة.
وكان اتجاه هنري ماتيس نحو الفن الإسلامي، خير معين له في ترجمة ما بداخله على سطح اللوحة.
ولا يوجد أدنى شك في أن فن بابلو بيكاسو من حيث النوع والكم، لا يقارن. وأن رسومه ولوحاته، وبالتالي أعماله كلها، تاثرت بالشرق، كما كشفت عن رجل يستحق تسميته بعبقري عصره. وربما يكون رجلاً ثورياً ورساماً أدخل تجديدات لا تحصى على فن الرسم، وفناناً ابتعد عن عدد كبير من التقاليد الفنية البالية، ولكن كل ذلك لا يكفي لكي يعتبر الشخص عبقرياً.
حيث قام بتجريب الكثير من الفنون ومنها: الفن الإسلامي، الفن المصري القديم، الفن الزنجي الإفريقي، حيث وجد في كل تجربة خروجاً عن التقاليد الفنية السائدة، فأراد ابتكار شيء خاص به من خلال هذه الفنون. ومن الضروري وجود شيء آخر، سحر معين أثار إعجاب وتقدير النقاد والهواة على السواء.
أما فيكتور فازاريللي فاتجه إلى الفن الإسلامي بكل ثقله، من خلال فن الخداع البصري فاستغل الفن الإسلامي كفن المشربية «الأرابيسك» والفسيفساء والنجمة والمفروكة الإسلامية، حيث التكرار.
واهتم بالتركيبات الهندسية والدوائر، كما ركز في تشكيلاته الحديثة على حروف الكتابة واتخذ قواعد التركيب على الوحدات المنفصلة وإخضاعها للكل المتكامل، واستغل قيمة اللون للحصول على تبادل في الدرجات اللونية بين الشكل والأرضية وتدرجات الألوان بين الفاتح والغامق.
وكان فازاريللي من أكثر فناني القرن العشرين تميزاً بالقدرة على الحلم، حيث كانت حياته كلها عبارة عن محاولة لجعل الفن بمثابة كنز تنهل منه البشرية كلها، إذ استفاد من تجارب الحضارة الإسلامية واستخدم أبسط الأشكال الهندسية الأساسية عند الفنان المسلم، وهي: الدائرة والمربع والمعين والمضلعات الهندسية (الأطباق النجمية)، وبدأ يعيد صياغتها من خلال الثراء اللوني والتناغم في الملامس وتغييرها.
المؤلفة في سطور
د. إيناس حسني. باحثة وكاتبة. حاصلة على الدكتوراه في فلسفة الفنون من المعهد العالي للنقد الفني، صدر لها العديد من المؤلفات، منها: أثر الفن الإسلامي في التصوير في عصر النهضة، حامد ندا رائد السريالية الشعبية، التلامس الحضاري الإسلامي الأوروبي.
الكتاب: جسر الصورة
تأليف: الدكتورة إيناس حسني
الناشر: المجلس الأعلى للثقافة - القاهرة 2016
الصفحات:
336 صفحة
القطع: المتوسط

