لقد مثلت الظاهرة الإرهابية، منذ بروز أول منظمة إرهابية عرفتها البشرية (سيكاري).. وإلى أن ظهرت (داعش)، وسيلة لإدارة الصراعات السياسية داخل الدول، وكذا أساساً ومنفذاً لإثارة الفوضى.
وهو ما يستعرضه باستفاضة كتاب «خريف الإرهاب والفوضى الجديدة (الرايات السوداء.. من سيكاري إلى داعش)»، لمؤلفه مختار شعيب، مبيناً أنه هناك 390 منظمة إرهابية في 60 دولة في العالم، وهناك 40 دولة تستضيف عناصر إرهابية، كما وقعت عمليات إرهابية في 91 دولة.
ويشدد الكتاب في مختلف موضوعات دراسته واستعراضه التاريخي، على أنه سيظل الإرهاب جريمة منظمة دولية تواجه الدول والشعوب خلال العقود المقبلة، وذلك يتبدى ويتنامى بشكل أكبر وأخطر في ضوء سهولة الحصول على السلاح والتمويل ووجود أكثر من ألفين وخمسمئة منظمة متطرفة في العالم تنتمي إلى شعوب وثقافات مختلفة.
انطلاقاً من ذلك، تبرز أهمية هذه الكتاب المتضمن خمسة فصول شاملة وتفصيلية: الأول يحمل اسم «مفهوم الإرهاب» ويقدم مفهوماً كاملاً عن الإرهاب، يطرح فيه المؤلف نشأة وتطور الإرهاب، مشيراً إلى أن العالم عرف الإرهاب في صور مختلفة منذ أقدم العصور، فرصدت البرديات المصرية القديمة الصراع الدموي بين الكهنة، كما جرمت القوانين اليونانية والرومانية الإرهاب والجرائم السياسية المعادية للأمم.
وفي العصور الوسطى عرفت البشرية عصابات الإرهاب التي كان يستخدمها النبلاء في أوروبا للإخلال بالأمن في ربوع إقطاعيات خصومهم، كما عرفت ثورات العبيد الذين كانوا يفرون من مقاطعات الأسياد ويشكلون عصابات للانتقام والقتل والسرقة وإشاعة الفوضى في أرض الملاك.
ويوضح الكتاب أن الاغتيال السياسي أسلوب قديم تخصص فيه بعض الناس؛ منذ مقتل يوليوس قيصر في قلب روما.. ثم اغتيال هنري الرابع وسادي كارنو والقيصر والإسكندر الثاني والملك الإسكندر ملك يوغوسلافيا.
ومن التاريخ القديم، ينتقل الكاتب في الفصل الأول إلى انفجار الإرهاب في العالم العربي مع مطلع القرن الحالي، لا سيما بعد ثورة يناير واندلاع الربيع العربي، أو ما أسماه المؤلف:
الخريف العربي، وقدم مجموعة من الجماعات الإرهابية في مصر، مثل جماعة الرايات السوداء وجماعة التوحيد والجهاد -وهي جماعة جهادية- وكذلك السلفية الجهادية وجماعة أكناف بيت المقدس، وغالبيتها جماعات تفجرت وبرزت إلى الساحة ما بين 2011 و2012 في مصر.
ويقدم الكتاب أيضاً تسلسلاً لصعود داعش على ساحة الجهاد المسلح في العالم، سارداً أن ترعرع داعش جاء من داخل سجن أميركي في عام 2004، حينما اقتيد أحد الشباب الجهاديين مكبلاً بالسلاسل والأغلال وكانت كنيته «أبو أحمد» وهو الآن مسؤول بارز في تنظيم داعش.
كما يشير إلى أن الهيكل التنظيمي لداعش ملف غامض ومتداخل، ما بين شخصيات جهادية متطرفة وشخصيات فاعلة ومؤثرة قادمة من بقايا العشائر وضباط المخابرات والعملاء المزدوجين.
ويعتبر الكتاب مرجعاً شاملاً لمن يرغب في الاطلاع على تاريخ الجماعات الجهادية ومصادر تمويلها ونفوذها على الأرض، وبشكل خاص يقدم تأريخاً لتصاعد داعش التي سيطرت على كل من سوريا والعراق، لافتاً إلى أن موسم داعش الحقيقي بدأ في يونيو 2014 مع بدء التنظيم قطف ثمار أخطاء وممارسات النظامين السوري والعراقي.
ويشير المؤلف إلى الاتجاهات الرئيسة في تعريف ظاهرة الإرهاب ويقدم نماذج له؛ مثل الإرهاب المحلي وإرهاب الدولة وإرهاب الفرد وغيرها، كما يقدم سمات ظاهرة الإرهاب وما يتحمله العالم من جراء هذه الظاهرة، متطرقاً في الوقت ذاته، وبصورة تفصيلية، إلى الجهود الدولية التي تبذل لمكافحة الإرهاب، وكذلك معوقات مكافحة الإرهاب؛ ومن أبرزها: الاستغلال السياسي للظاهرة وضعف الإدارة السياسية لبعض الدول والتي تعيق بدورها تحصيل نتائج.
وفي العموم، يعد هذا الكتاب المتخصص، والذي يأتي في 486 صفحة، دراسة وافية وحصيلة بحث مضن على مدى 13 عاماً، كما يبين المؤلف في مقدمة بحثه مشيراً إلى أن هدف الكتاب «فتح الصندوق الأسود للإرهاب».
الكتاب: خريف الإرهاب والفوضى الجديدة (الرايات السوداء.. من سيكاري إلى داعش)
تأليف:مختار شعيب
الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة 2016
الصفحات:
486 صفحة
القطع: الكبير
المؤلف في سطور
مختار شعيب. كاتب صحفي مصري. يعمل في صحيفة الأهرام، لديه الكثير من المقالات والأعمال ذات الصلة بالإرهاب والجماعات الإرهابية.
