يشير الكتاب، الصادر حديثاً عن منشورات ضفاف ومنشورات الاختلاف، في السياق ذاته، إلى التحولات التي عاشها المبدعون الجزائريون بعد الاستقلال وما حملته من تحول سياسي واجتماعي وثقافي.
حيث وجدوا أنفسهم في مواجهة سؤال حاسم: «لمن نكتب؟»، أيكتبون للفرنسيين، كما كانت الحال من قبل.. أم يكتبون للجزائريين؟ لكن في هذه الحالة الأخيرة من سيقرأ ما يكتبون إذا كانت الأمية عندما غادر الفرنسيون الجزائر قد بلغت 85 بالمائة.
يتخذ الكتاب من الأعمال الأدبية للأديب الجزائري كاتب ياسين نموذجاً يترجم هذه الحيرة التي عاشها الكُتّاب بعد الاستقلال، قبل أن يقرر التخلي نهائياً عن الكتابة بالفرنسية.. إذ اتجه منذ السبعينيات في القرن الفائت، إلى كتابة المسرح باللهجة العامية الجزائرية؛ باعتباره كاتباً يؤمن بحتمية التواصل مع طبقة الشعب، لكن حاجز الأمية كان العائق الذي يفرقه عن جمهوره.
وهكذا تتخذه المؤلفة نموذجاً للأدب الجزائري المكتوب باللغة الفرنسية قبل خروج الفرنسيين؛ في محاولة لاستكشافه ومعرفة رد فعل القارئ الجزائري تجاه هذا الأدب، دارسة كيف كان تجاوبه في خضم هذه الإشكالية التي أحاطت به منذ الاستقلال إلى يومنا هذا، وطبيعة انقسام الآراء حول مسألة انتسابه، ومعرفة كيف قرأ القارئ هذا الإبداع وما هي أسس هذه القراءة ودلالاتها.
ومن مضمون دراسات الكتاب، نتبين أنه يركز بوضوح، بداية، على أعمال كاتب ياسين في الفترة ما بين 1950 إلى 1996م، وهي الفترة التي كان يكتب فيها بالفرنسية.
وحاولت المؤلفة من خلال فصول الكتاب الأربعة احتواء هذه الإشكالية. فركز الأول على رواية «نجمة» ومسرحية «الجثة المطوّقة»، وتوسعت في البحث بهما عن كيفية تجسيد مفهوم القارئ الضمني، الذي يعتبر المحرك المحوري للعملية التواصلية، مبينة أنه مصدر التفاعل بين الكاتب والنص والقارئ.. ومحاولة اكتشاف علامات حضوره في النص الروائي والنص المسرحي.
وتعمد المؤلفة في الفصل الثاني إلى تفكيك الاستراتيجيات النصية في أعمال كاتب ياسين وعلاقتها بقيام فعل التلقي، وذلك بدراسة مفهوم الرصيد، وهذه المرجعية السياقية وتأثيرها في إحداث فعل القراءة، وتوجيه القراء، ذاك بموازاة تشريح الصورة الأمامية والخلفية التي ينبني عليهما هذان الخطابان.
ويتتبع الكتاب في فصله الثالث، حركة التلقي في أعمال كاتب ياسين المختلفة، ويخضعها إلى مبدأ التاريخ وإسهامه في تشكيل فعل التلقي. ومن ثم ترصد المؤلفة فعل القراء وأفق انتظاره الناس في مختلف الحقب التاريخية وكيفية انتقال حركة التلقي من زمن لآخر والمرجعية وتأثيرها في مدى تجاوب القارئ مع التجربة الإبداعية.
ويستكمل الفصل الرابع حركة التلقي وأفق انتظار القارئ بالتركيز على تجربة القارئ الجزائري ورصد مجموع القراءات التي ميزّت الأخير؛ خاصة عن غيره من القراء عبر العالم، وكذا يعتني به في محاولة معرفة خصوصيات هذه القراءة والخلفيات المرجعة التي وجهت مسار حركة القراءة.
وتخلص مؤلفة الكتاب إلى أن أعمال كاتب ياسين المختلفة، استوقفت القارئ الجزائري وشكلت موضوع قراءاته بعد الاستقلال، بعدما كانت من حق القارئ الفرنسي.
لكنها كُتبت بالفرنسية؛ فكان يصنفها على أنها أدب فرنسي، لكن يُصدم القارئ الجزائري حين يقرؤها ويجدها تبتعد عن المألوف في الكتابة الإبداعية الفرنسية والأوروبية بوجه عام؛ سواء على مستوى الموضوع أو البنية، وعدم استجابتها للمنظومة القرائية المعهودة لدى القارئ. ولهذا شكلت الكتابة الإبداعية عند كاتب ياسين قفزة نوعية في الأدب الجزائري أثارت اهتمام القراء والنقاد على اختلاف تخصصاتهم.
«نجمة»
يتطرق الكتاب، وبتوسع، إلى جملة سمات تفرد خاصة بإبداع كاتب ياسين، الأديب الذي قدم أكبر رواية للأدب الجزائري، مكتوبة باللغة الفرنسية في العالم، بعنوان «نجمة»، كتبها عام 1956م، وتساءل ياسين بشأنها: «هل ماتت روحها الجزائرية عندما كتبتها بالفرنسية واعتبرها النقاد أجمل نص بالفرنسية لكاتب من أصل غير أوروبي؟!».
المؤلفة في سطور
كريمة بلخامسة. كاتبة وباحثة جزائرية. لديها مجموعة دراسات أدبية وفكرية واجتماعية.
الكتاب: استراتيجية التلقي في أعمال كاتب ياسين
تأليف: كريمة بلخامسة
الناشر: منشورات ضفاف ومنشورات الاختلاف - بيروت 2016
الصفحات:
303 صفحات
القطع: المتوسط
