أسئلة وأجوبة تصل إلى 111 سؤالاً وجواباً مبوَّبة في تسعة فصول، يسائلُ فيها ويبحث الكاتبُ والمؤرخ المغربي عبدالله العروي، حول مسائل الوطنية والمواطنة، ما يذكِّرنا بمحاورات أفلاطون. فيبدأها بسؤال حول أصل اسم عائلة «العروي» التي لا يرى لها أهمية إلاَّ إذا كان في ذلك منفعة، ويختم بجوابٍ عن سؤال: هل يحافظ المغرب على ميِّزته التاريخية؟

ما بين هذين السؤالين، يطرح المفكِّر عبدالله العروي الكثير من الأسئلة التي تتعلَّق بمستقبل الدولة المغربية، خاصة حول التركة الاستعمارية الفرنسية لمغرب متكوِّن من جزء تقليدي متخلِّف وجزء أوروبي متقدِّم ومتطوِّر يتمدَّد ويتوسَّع. فيقول:

في رأي منظّري الحماية كانت مثلاً المدينة الإسلامية العتيقة ستظلُّ على الدوام محاصرة، تطوِّقها باستمرار مدينة أوروبية تنمو وتتَّسع باستمرار. فإذا بمدن الصفيح تنشأ بسرعة فائقة وتحاصر بدورها المدن الأوروبية، تمنعها من التوسُّع وتجعلها مهدَّدة من الأمام ومن الخلف. فشكَّلَت صورة رمزية كهذه لمصير الحماية كلِّها. وهذا ما وضع المغرب أمام خيار، بل أمام حلَّين:

إمَّا سحق وإبادة كلّ ما كان سابقاً على الحماية (الفرنسية) وإبداله بكيان جديد تولِّده الحماية وترعاه، وإمَّا العودة إلى الأصل. ويضيف: وبما أنَّ هذا الأصل لا نسمِّيه دولة أو شعباً أو وطناً أو قومية، إذ كلُّ واحد من هذه المفاهيم غامضٌ قابلٌ لتأويلات متباينة، بدا لي أنَّ الأقرب إلى الواقع التاريخي أن نحافظ على لفظ مخزن - أي الدولة، بمعنى أوسع من المعتاد.

وفي جوابه على سؤال حول تحقيق الوطنية المغربية أهدافها، يقول: بما أنَّ لفظَ استقلال لفظٌ مشترك يحمل معاني شتى، يمكن القول إنَّ الحركة الوطنية المغربية حقَّقت هدفها الأساسي بفسخ عقد الحماية (الفرنسية)، وفي الوقت نفسه لم تحقِّقه، بمجرد الإعلان عن هذا الاستقلال، إذ إنَّ الفرد المغربي لا يزال يعاني.

وفي إجابته عن سؤال حول الاستقلال يقول العروي: استقلال المغرب معجزة، إذ كان آخر دولة استُعمِرَت في المنطقة وأوَّل دولة استقلَّت وهو ما لم يهضمه البعض.

ويتساءل: هل هناك نفسانية مغربية؟ ويجيب: يحلو لنا أن نعتقد ذلك، كما اعتقده قبلنا سكَّان المغرب منذ زمن طويل.

اعتقدوا أنَّ الإنسان المغربي يختلف عموماً عن المشرقي المسلم، بل عن التونسي والواسطي - الجزائري. المغربي يعرف بالطبع أنَّه يختلف عن مغربي آخر، سحنة أو لهجة أو انتماء إلى قبيلة أو زاوية، لكنه يرى، حقّاً أو باطلاً، أنَّ وراء هذه الفوارق الطبيعية والقوية توجد صفة أو صفات، على مستوى معيَّن من الوعي أو اللاوعي، تطبع المغربي وتميِّزه عن غيره حتى ولو كان مسلماً أو عربياً أو مغاربياً.

ثمَّ يختم المؤلِّف أسئلته بسؤالٍ لا يجد حرجاً في الإجابة عنه: هل يحافظ المغرب على ميزته التاريخية؟ ويقول في إجابته على ذلك: لو كنت شيخاً هرماً حطَّمتِ الأعوامُ أحلامَه، وداست الأحداثُ مطامحه لتجنَّب الجواب بالقول على الفور: البقاء لله. دستور المغرب المستقل منفتح على كل الاحتمالات، العربية، الأفريقية، الأوروبية، وكلها تؤدي إلى نوع من الاندماج والذوبان.

والاحتمال يتحقّق أو لا، بل يتحقَّق ثم يلغى. المهم أمر آخر. كل التحليلات السابقة تعتمد بعض الفرضيات، أهمها فعالية المخزن.. واليوم صرنا نشاهد تحوُّلاً يشبه ما حدث في ثلاثينيات القرن الماضي عندما خلفت وطنية الشبَّان وطنية الأعيان، مما ينبئ بالاندماج المرتقب في هيئات أوسع أو استبدال لهجة بأخرى، أو تأويل تاريخ بآخر.

ويستطرد العروي: هذا لن يمحي من العقول والنفوس ما أكسبه المخزن العتيد، وأورثه للحركة التي جدَّدت الوطن وحرَّرته من تبعية الأجنبي. ولربَّما هذا هو المعنى العميق للعبارة التقليدية الله هو الباقي. على مدى أقرب قد يحتفظ المغرب بوطنيته المتميِّزة، الضيِّقة الأفق في عين البعض، لسبب بسيط وهو معاكسة الجيران والإخوة له.

المؤلف في سطور

د.عبدالله العروي. مفكِّر ومؤرِّخ مغربي. ولد في نوفمبر 1933، بمدينة أزمور وسط المغرب. يحمل دكتوراه الدولة من جامعة السوربون في فرنسا. عمل أستاذاً في جامعة محمد الخامس بالرباط، وعدد من الجامعات الفرنسية والأميركية. لديه أكثر من 30 كتاباً بالعربية والفرنسية. منها: الأيديولوجيا العربية المعاصرة، الأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربية: 1830 - 1912.

الكتاب: استبانة/ حوار

تأليف: د. عبدالله العروي

الناشر: المركز الثقافي للكتاب. الدار البيضاء – بيروت 2016

الصفحات:

142 صفحة

القطع: المتوسط