كتاب بجزأين ليمنى العيد يحكي محطات حياتها ومراحل إبداعها

«أرق الروح» سيرة يمنى العيد مفعمة بالشعر والموسيقى

ت + ت - الحجم الطبيعي

نقاشات وأصداء متنوعة، لا تزال تتردد حول السيرة الذاتية للكاتبة والناقدة الأستاذة يمنى العيد، التي قدمتها في كتابها بجزأيه: أرق الروح وزمن المتاهة. إذ يمثلان حديث المنتديات الثقافية المختلفة وموضوع النقاشات الدائرة بين المثقفين، الذين يطرح بعضهم تساؤلا فيما إذا كانت يمنى العيد أرادت في هذا الكتاب أن تضع القواعد المنهجية لكيفية كتابة السيرة الذاتية، وخصوصا أنها خلال رحلتها النقدية وبنائها لمدرستها طالما ألمحت إلى أخطاء الكُتّاب في هذا المجال.

الكتاب يشبه الشعر توقيعاً وموسيقى بل هو سوسيوــ تاريخي سياسي في آن معا لمجتمع تقليدي بامتياز. يؤرخ لما مر بلبنان من عواصف سياسية واجتماعية منذ ما قبل الاستقلال وحتى أيامنا هذه. ويختصر عبر سطوره حياة أكثر من جيل إن كان على الصعيد السياسي لجيل ناضل واضعاً نصب عينيه التغيير بكل معانيه والوطن ومستقبله

حوار دائم مع الذات ومع المكان الذي يشغل الحيز الأبرز في كياننا ووجودنا فتنمو الذاكرة على جنباته حوادث وتفاصيل. يموت الإنسان يوما وتبقى الأمكنة لتلعب الدور نفسه مع آخرين أتوا من بعده. أما إذا مات المكان في حياة الإنسان فإنه يغمره شعور بفقدان شيء انتهى إلى غير رجعة. وأسئلة كثيرة وإشكاليات تطرحها وهي الرافضة لكثير من جوانب الواقع المعاش.

عرف القراء يمنى العيد باحثة وكاتبة وناقدة، ولكن لم يعرفوها الإنسانة وسط بيئتها وعائلتها وعادات وتقاليد تلك العائلة الصيداوية. فتخبرنا دون أن تنسى شيئا عن القمباز الغباني والشروال المزموم، وأبيها الذي لم يعط في حياته حناناً لأولاده، وكيف أصبحت حياته هباء بعد فقده لأمها.

وإذا كانت يمنى العيد قد أحبت بيروت التي أخرجتها من الشرنقة لكي تنسج ثوبها الإنساني والثقافي والعلمي من خلال كتب لم يقم مقص الرقيب بقطع بعض صفحاتها، والمسرح والمعارض الفنية واللقاء بكبار الكتاب والفنانين. فإنها أحبت باريس أيضا لكونها المدينة الحرية حيث لا يحاسب فيها إنسان الآخر، ولا يُنصِّب أحد نفسه وصياً على قلب الآخر ومشاعره.

وحديثها عن المدينة مفتاح يكشف العلاقة ما بين الإنسان والمدينة، تلك العلاقة التي كثيرا ما تتحول إلى حوارات لا تنتهي بين الإنسان وذاته. فتتنقل كعصفور على أغصان شجرة في شوارع مدينتها حارة حارة، وزاوية زاوية، محددة أصحاب البيوت والطوابق وسكانها. واصفة شوارعها القديمة وحواريها وبلاطها وحجارتها ومحلات أصحابها وأزقتها الضيقة التي تحكي للمارين حكايات الماضي وتنتظر من الأجيال صناعة حكاياتهم لتحكيها لمن بعدهم.

يأتي، عقب ذلك، التأريخ للتطورات السياسية ولجيل ثائر على التقاليد ويريد تغيير المجتمع على كل الأصعدة. وكذلك التأريخ للتغيرات الاجتماعية التي بدأت بالظهور منذ بدء مرحلة الاستقلال. فتعيد يمنى ترتيب الأحداث والزمن وضبط عقارب الساعة وهي الطفلة التي أصيبت في قدمها واستشهد بعض رفاقها الطلاب وهم يرفعون مساطرهم في تظاهرة من كل المذاهب والأديان في لحمة وطنية قادتها مديرة مدرستها ،لتنقلنا إلى الجامعة اللبنانية في ستينيات القرن الماضي وأجوائها العروبية وأحلام بلا حدود تراود الطلاب حينها في إعادة صياغة الوطن وبناء مؤسساته.

ذكريات تتفتح أمامنا في كل صفحة... وتاريخ لمدينة ألحقت بها مدينة. وما بينهما روح إنسان عاشق للحياة تتأرجح بعنفوان. وخطوط لعبور المستقبل من بوابة الماضي واستعادة لزمن تقول عنه: «أتذكر.. أستعيد زمناً أركض فيه خلف حياة أود أن أعيشها.. أذهب إليه فيهرب مني، يطويني ولا أطويه».

امرأتان

تبوح المؤلفة للقراء باسمها الحقيقي (حكمت صباغ الخطيب) فتتداخل الأسماء لدى القارئ ما بين حكمت ويمنى وتختلط الأمور فهو بين امرأتين في روح واحدة بل بين اثنتين مختلفتين فكرا وتطلعات، تتحاوران وتكتب إحداهما عن الأخرى. إنه غار أفلاطون الذي يعكس فيه الظل الحقيقة، ليجري الانطلاق خارج إطار الزمان إلى حيث تحدد له الكاتبة الزمان والمكان فتذكره بأحداث سمع عنها وأحيانا عايشها، طارحة أسئلة لطالما أرقته: «تنام الأسئلة أحياناً ولا تموت، تموت بانتظار زمن نوقظها من جديد».

المؤلفة في سطور

حصلت يمنى العيد على دكتوراه في الدراسات الإسلامية من جامعة السوربون . وعملت في حقل التربية والتعليم الجامعي.

كما حاضرت في عدد من الجامعات (تونس، اليمن، باريس)، وشاركت في مؤتمرات فكرية في أكثر من بلد عربي وغربي.

نالت جوائز كثيرة،أبرزها جائزة العويس الثقافية.

الكتاب: أرق الروح

تأليف: يمنى العيد

الناشر: دار الآداب -2015

الصفحات: 440 صفحة

القطع: المتوسط

طباعة Email