ما قام به الدكتور ميشال خليل جحا في كتابه الصادر حديثاً عن الأديب اللبناني أمين نخلة يصلح نموذجاً، يُحتذى به مع الأدباء الرواد، الذين تحولت أسماؤهم رسماً منسياً، مع تقدم الزمن وغياب مؤلفاتهم عن رفوف المكتبات، حتى لا نقول اندثارها، وبالتالي جهل الناشئة واقتصار معرفتهم بها، على ما يتناولونه من نصوص ومقطوعات لهم، منشورة هنا وهناك في كتب التعليم والقراءة.

ويضم الكتاب أقساماً ثلاثة: تتوزع القسم الأول مقالات ومقدمات كتبها أمين نخلة لكتب ومجموعات شعرية، والقسم الثاني مقابلات، كانت قد أُجريت معه وظلت أسيرة الصفحات والمجلات التي نُشرت فيها، والقسم الثالث مقالات وأبحاث وُضعت عنه وعن أدبه، وقد تعمّد المؤلف إصداره بمناسبة مرور 40 سنة على رحيل أمين نخلة.

المقابلات الخمس التي أجرتها معه نازك باسيلا لمجلة الأسبوع العربي البيروتية سنة 1972،تكشف عن جوانب حميمية من حياة أمين نخلة، فتُلقي الضوء على حياته وأدبه وعلاقته بأجداده وبوالديه وبزوجته وابنه وابنته، ونطلع فيها على آرائه وعاداته وانخراطه في السياسة وصداقته لرياض الصلح رئيس وزراء لبنان آنذاك، الذي أبكاه اغتياله فكتب فيه مرثيتين، هما من أفضل ما نظم، وتكشف المقابلات معه عن عُرى الصداقة التي ربطته بكبار رجالات السياسة والأدب في لبنان وسوريا ومصر وفرنسا.

كما يصف اهتمامه بالأدب وبلوغه مرتبة متقدمة في الحداثة مع صدور رائعته الفريدة «المفكرة الريفية»، والتي لا تزال إلى اليوم قبلة القراء وتحظى بطبعات جديدة، لتحتل مكانتها في واجهة المكتبات، بعد عقود طويلة على صدور طبعتها الأولى. توزعت اهتمامات أمين نخلة بين السياسة والمحاماة، وبلغ شأواً مُتقدماً في كلتيهما، فإلى جانب كونه المحامي المتميز كان سياسي الهوى، قاده شغفه بالسياسة إلى الندوة البرلمانية فانتخب نائباً عن قضاء الشوف، وكانت عينه على رئاسة الجمهورية، لكن اغتيال الزعيم الوطني رياض الصلح أفقده داعماً مُتحمساً له ومعجباً بفكره وبعروبيته.

في المقابلات التي أجرتها معه الأسبوع العربي، يُظهر أمين نخلة تمسكاً بالعادات الريفية الجبلية، التي تربى عليها، وبالتقاليد العائلية، فبدا مُتأثراً بوالده الشاعر القروي رشيد نخلة «واضع النشيد الوطني اللبناني»، فتمثل به وفرض الحجاب على زوجته ايفون طرزي تشبهاً بوالدته، وقد لازمها حتى وفاة والده سنة 1939.

وتٌلقي المقابلات ضوءاً على حياته اليومية، تُدخل القارئ في تفاصيل دقيقة، تكشف عن انشغالاته الخاصة وعن الأوقات التي يحلو له فيها نظم الشعر، وميله إلى اقتناص ساعات الهدوء ليكتب خواطره ويُحبّر مدوناته.

وفي المقابلة التي أجراها معه رفعة الحنبلي، والتي نُشرت في مجلة «المكشوف» سنة 1937 إضاءة على ثقافة الأمين وعلى آرائه في الشعر والأدب، وعلى الكتب التي يقرأها في العربية والفرنسية وتتلمذه على شاعرين عربيين، هما المتنبي وأبو نواس.

ويكشف ياسين رفاعية الذي عرفه في دمشق وبيروت عن عشق الأمين لفتاة سورية تُدعى فريال ويروي رفاعية قصة ذلك الحب المجهول للأمين الذي كان شاهداً عليه.

وفي المقابلات التي أدرجها المؤلف في متن كتابه، يُدرج عدداً من المقالات التي تناول كتابها مؤلفات أمين نخلة بالنقد، فيورد مقالاً لأدونيس نشره في مجلة شعر مُنتقداً «الديوان الجديد» للأمين، ويعتبر أدونيس في سياق مقالته أن ديوان الأمين «يخلو من الحركة، والبحث والتطلع، فهو لا يريد شيئاً، ولا يطمح إلى شيء. رابض في أصداف الكلمات، وحوله تتجاوب أصداء الرنين والوقع. منتهى طموحه الفصاحة والبيان».

ويضيف في موضع آخر من مقالته أن الديوان الجديد لا يُقدم لنا إلا سطحاً مصقولاً ببراعة، ويعجز عن تقديم شيء من أعماق الإنسان، لذلك لا يضيف إلى تراثنا الشعري شيئاً ذا قيمة.

ويتناول علي سعد في مقالته فكر وشعر أمين نخلة، مُكوناً صورة عن الشاعر والناثر والمفكر والعالم اللغوي وأحد أمراء المنابر التي اعتلاها كمحام وسياسي ومحاضر وسفير لدولة الفصاحة اللبنانية في كل محفل.

وفي مقال هنري زغيب بمناسبة رحيل أمين نخلة، يضم الكتاب ملفاً خاصاً نشر في جريدة «النهار» في ذكراه السنوية، يضم كلمة شوقي أبي شقرا وأربع مقالات لسليم باسيلا وروز غريب والدكتور أنطوان غطاس كرم والدكتور أمين البرت الريحاني.

وفي الكتاب مقال للأستاذ فؤاد أفرام البستاني نُشر في مجلة «الفصول اللبنانية، وما كتبه الدكتور محمود شريح في جريدة «النهار» حول الأعمال الكاملة للأمين التي نشرتها دار صادر، اعتبر فيها أمين نخلة منعطفاً أساسياً في تاريخ النثر العربي، وإعادة طباعة مؤلفاته ونشرها على رفوف مكتبات المدينة «وصلٌ لما انقطع بينها وبين الريف، وردة الى المصادر ونصيحة بالحفاظ على القديم، أو على الأقل الوفاء للجميل والاعتراف بالأصل».

وتحت عنوان «أمين نخلة رائد قصيدة النثر العربية وجوهرجي القصيدة العمودية» يكتب بول شاوول في مجلة الفكر العربي المعاصر مقالة حول شعره ونثره. فأمين نخلة الشاعر والسياسي «يقف بين مرحلتين، وبين تطلعين، حاملاً بيديه علامتين: علامة اسمها الأصالة بكل ما تحمل هذه الكلمة من دلالات وعلامة أخرى أسمها الحداثة».

ويعتبر شاوول أن نثر أمين نخلة شكل محطة رئيسية في سياق رصد تطور أساليب النثر العربي، وتعديل تجارب من سبقه وخصوصاً في «المفكرة الريفية» و«أوراق مسافر». ويُفرد الكاتب صفحات أخرى لعدد آخر من المقالات تناول كتابها أمين نخلة، خاتماً بأبيات الشاعر سعيد عقل في نخلة وقصيدة للشاعر ميشال جحا.

المؤلف في سطور

ميشال جحا كاتب لبناني كتب في الشعر والدراسة والتحقيق والنقد من مؤلفاته «شعراء أعلام من المشرق العربي» و«رواد الشعر العامي في لبنان».

الكتاب: «أمين نخلة.. مقالات له وعنه ومقابلات معه»

تأليف: الدكتور ميشال خليل جحا

الناشر: دار نلسن بيروت 2016

الصفحات: 531 صفحة

القطع: المتوسط