يتناول هذا الكتاب «المواطنة في الفكر الإسلامي» للدكتورة فينان نبيل عيسوي مفهوم المواطنة وأسسها ومدى ارتباطها ببعض المفاهيم الأخرى مثل الحرية والمساواة، وكذلك مدى تحقق مفهوم المواطنة في تأسيس الدولة الإسلامية الأولى على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.

ثم مدى تحقق أسس المواطنة في الدولة الإسلامية في ظل اتساع الرقعة الجغرافية وتعدد الأجناس والأعراق والعقائد «الدولة العباسية نموذجاً»، وتتنقل المؤلفة إلى دراسة أبعاد مفهوم المواطنة في الفكر الإسلامي الحديث ومدى تأثره بمفهوم المواطنة في الفكر الغربي، وكذلك التغيرات التي طرأت على مفهوم المواطنة نتيجة لعصر ما بعد العولمة.

ورأت المؤلفة أن مفهوم المواطنة بمرتكزاته الحرية والمساواة مطلب قديم قدم البشرية ذاتها، لكن الأمر الجديد في التاريخ البشري هو صياغة هذه الطموحات للحرية في صورة قوانين ملزمة للحكام قبل المحكومين وفي صورة وثائق تصون هذه الحقوق وتمثل معايير للعمل بمقتضاها وفي صورة أساليب وآليات لحمايتها ومؤسسات تسهر على تطبيقها وعدم مخالفتها، ودساتير تلزم الحكومات قبل الأفراد بحقوق الإنسان والمواطن.

والإسلام كان له السبق في صياغة هذه الطموحات حيث انفرد بدرجة من الاحترام للحرية لا يوجد لها، أولاً لأن الإسلام يجعل الإنسان مسؤولاً عن عمله، ومعنى أن تكون مسؤولاً أن تكون بالتالي حراً، وإلا انتفت عدالة التكليف، والإسلام يعرف حرية واحدة ملتزمة وهي أن تكون حقاً واجباً.

كما يرفض الإسلام أي نوع من التفرقة بين أبناء الجنس البشري على أي خلفية دينية أو عرقية. وأن التشريع الإسلامي وضع نظاماً عاماً حدد أبعاد حقوق الإنسان والمجتمع والقيم والحقوق والوجبات وأن شواهد التاريخ تؤكد عظمة الإسلام في صياغة وبناء المجتمع الآمن الذي يحقق أسس المواطنة.

ولفتت إلى أن النهضويين العرب الأوائل أمثال الطهطاوي وخير الدين التونسي وغيرهم حاولوا أن ينقلوا مفاهيم الأمة والمواطن والحرية والدولة والدستور، لتحل مكان المفاهيم المرتبطة بالدولة السلطانية، وصولاً إلى مفهوم المواطنة وما يلزم لتحقيقها من دستور وديمقراطية وانتخاب، غير أن التجربة العربية المريرة مع الاستعمار الغربي وبروز المشروع الصهيوني، قاد الإسلاميين والقوميين إلى الحذر، ليس فقط من سياسة الغرب بل من ثقافته أيضاً.

وقالت «أثر هذا في موقف تلك النخب من نمط الحداثة السياسية الغربية، ومن التجارب الليبرالية الدستورية العربية التي بدأت طريقها في التطبيق، فشهدت السياسة العربية بروز أنماط مركزية عسكرية للحكم، عرفت باسم «الأنظمة التقدمية» تراجعت فيها فكرة المواطنة، والحريات العامة وكرامة الفرد، فلم تستعد فكرة المواطنة ومعها الديمقراطية إلا عقب انهيار التجربة السوفييتية، ووصول طريق التنمية الذي اتبعته تلك النظم لطريق مسدود، غير أن هذه المراجعة الفكرية لم تأخذ طريقها إلى الممارسة الفعلية.

فلا تزال فكرة المواطن العربي مجرد يوتوبيا، على الرغم من ازدياد الاعتقاد بأن المدخل المناسب لخروج العرب من أزمتهم الراهنة هو تحويل المجتمع العربي من رعايا وسكان إلى مواطنين أحرار، وتأسيس سلطات مدنية ديمقراطية على أساس الرابطة الوطنية لأناس أحرار».

وأكدت د. فينان عيسوي أنه إذا كان التطور الحضاري الغربي لم يعرف المواطنة وحقوقها إلا بعد الثورة الفرنسية ـ أواخر القرن الـ 18 بسبب التمييز على أساس الدين ـ بين الكاثوليك والبروتستانت، وعلى أساس العرق ـ بسبب الحروب القومية ـ وعلى أساس الجنس ـ بسبب التمييز ضد النساء، وعلى أساس اللون ـ في التمييز ضد الملونين ـ فإن المواطنة الكاملة والمساواة في الحقوق والواجبات قد اقترنت بظهور الإسلام وتأسيس الدولة الإسلامية الأولى ـ في المدينة في السنة الأولى للهجرة ـ سنة 13 من البعثة الموافقة لسنة 622 ميلادياً ـ في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحت قيادته، وإن لم يكن هناك وجود للمواطنة بوصفها فكرة واقعية ومعيشة وحاضرة في أكثر من نص وأكثر من حادثة في التاريخ.

فلقد وضعت الدولة الإسلامية فلسفة المواطنة هذه في حيز الممارسة والتطبيق وضمنتها في المواثيق والعهود الدستورية منذ اللحظة الأولى لقيام هذه الدولة على أساس التعددية وضمان حقوق الأفراد والجماعات التي اتخذت من المدينة وطناً، المؤمنين واليهود والنصارى وغيرهم مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، بصرف النظر عن المعتقد الديني وهذا يعني ـ بمفهوم المخالفة ـ أن الإسلام لم يعتبر حينها شرطاً في المواطنة.

فالأمة التي تقوم على عاتقها دولة الإسلام يجب أن تقوم على أساس المواطنة والمساواة في الحقوق، وإن مفهوم الأمة لا يجب أن يقوم على أساس العقيدة في دولة الإسلام بل على طبيعة أشمل يدخل ضمنه أصحاب العقائد الأخرى، ليشكلوا مع بقية المؤمنين أمة سياسية واحدة.

المؤلفة في سطور

الدكتورة فينان نبيل عيسوي باحثة أكاديمية حاصلة على درجتي الماجستير والدكتوراه في فلسفة الفكر الإسلامي من قسم الفلسفة كلية الآداب جامعة الإسكندرية، لها العديد من الدراسات والبحوث الفلسفية المنشورة في المجلات المتخصصة.

الكتاب: المواطنة في الفكر الإسلامي

تأليف: د. فينان نبيل عيسوي

الناشر: الهيئة العامة لقصور الثقافة

الطبعة الأولى: 2016

الصفحات: 160 صفحة

القطع: المتوسط