يستنتج الباحث السوري د. سهيل عروسي أنَّ الصوفية كفكر ونهج تُعارض الطغيان والظلم والاستبداد، وعندما وجد المتصوفة أنفسهم بين مطرقة السلطة وسندان الفقه، تمكَّنوا من تجاوز تلك الثنائية القائمة على التحالف بين السلطان والفقيه، عبر ثنائية مضادة قائمة على التحالف بين الفكر وعامة الشعب.

أي ثنائية الظاهر والباطن، وفلسفة التأويل التي عكست فكراً متقدماً وأفصحت في الوقت ذاته عن حنكة ودهاء وذكاء في أساليب المواجهة. والصوفية.

كما يراها د. حسين مروة هي في الجوهر فكرٌ في الإسلام لا خارجه وهو فكرٌ يتَّجه إلى الحفاظ على التوازن بين جناحي الفكر الإسلامي الميتافيزيقي والواقعي، فكلا هذين الجانبين من الإسلام لا مكان فيه لاحتواء النزعة الصوفية أو لتفتحها، لأنَّ الجانب الميتافيزيقي تحدَّد بطابع متميِّز للعلاقة بين الله والعالم، وهو طابع التنزيه المطلق ولا مكان فيه للمماثلة أو المشابهة.

ويُرجح أنَّ كلمة «صوفي» وُجدت في العربية قبل الإسلام، وقد استمدت من اليونانية من اللفظ «sophos» التي تعني كليم، ويعتبر المؤلِّف أنَّ تسمية صوفي قد أطلقت بمعنى الشخص «الانتقائي» الذي يعمد إلى القيام بسلوك معيَّن يتَّصف بالحكمة، إذ يصفِّي أفضل العادات والعقائد ويتبعها، فيؤدي ذلك إلى ظهور مخالفته للشائع من درجات السلوك المتدنية فكرياً وأخلاقياً.

أما عن الأصل الاشتقاقي والتاريخي لكلمتي تصوُّف وصوفي فإنَّ جمهور المؤلفين في التصوف - وفق د. أبو العلاء عفيفي يذهب إلى أنَّ هاتين الكلمتين من الكلمات المستحدثة في الملَّة الإسلامية وأنَّ البغداديين هم الذين استحدثوها.

كما إنَّ كلمة الصوفي كانت قاصرة في أوَّل الأمر على الكوفة، ومما يؤيِّد هذا أنَّ الكلمة لم تكن مستعملة استعمالاً عامَّاً لكل مسلمٍ سلكَ طريق التصوف، فإنَّها لم تطلق على فرقة من الصوفية ظهرت في أواخر القرن الثالث الهجري في نيسابور وتسمَّت باسم «الملاَّمتية» تمييزاً لها عن الصوفية من أهل العراق والشام.

وقد كان من الطبيعي أن يظهر اسم الصوفي أوَّل ما ظهر في الكوفة سواءً أكان من تسمَّى به جابر بن حيان أو أبو هاشم الصوفي، لأنَّ أوَّل مدرسة عرفت في التصوف ظهرت في مدينتي البصرة والكوفة، وقد كانت الكوفة آرامية الثقافة متأثرة بالثقافة المانوية - نسبة إلى ماني 215- 276م- القائل بمبدأين: مبدأ النور والظلام ومبدأ الخير والشر. ومن المدارس التي عُرفت وشاعت:

1- مدرسة المدينة؛ التي كانت متمسِّكة بتعاليم النبي الكريم في الزهد والورع.

2- مدرسة الكوفة؛ ذلك عندما ظهرَ فيها أبو هاشم الكوفي في منتصف القرن الثاني للهجرة وارتدى جلباباً من الصوف، واعتكف فيها وحيداً يصلي ويتعبَّد. كما ظهر فيما بعد حبان الحريري، وكليب مع جماعة روحية عرفوا بالروحانيين وقد تأثَّر زُهَّاد هذه المدرسة بالثقافة الآرامية، ويمكن اعتبار رابعة العدوية شخصية زهدية صوفية في هذه الحقبة.

3- مدرسة البصرة؛ التي برز فيها الحسن البصري، والذي يُعتبر أبا التصوف الإسلامي في مرحلته الأولى.

4- مدرسة خراسان؛ وتتلخَّص فلسفتها في الزهد في قول أحد زُهادها: من أراد أن يبلغ الشرف، كل الشرف فليختر سبعاً على سبع: الفقر على الغنى، الجوع على الشبع، الدون على المرتفع، الذل على العز، التواضع على الكبر، الحزن على الفرح، الموت على الحياة. ويعتبر أبو اسحق إبراهيم بن أدهم (ت حوالي 790م) المؤسِّس الحقيقي لمدرسة خراسان وكان مقرَّها مدينة مرو.

وتعتبر الصوفية حاجَّة ماسَّة لتحريك الراكد من المسلمات وتفجير بواطن ومكامن الغموض والملتبس في مسار الثقافة التي تأبط ذراعيها كلٌّ من الفقيه والسلطان، وبهذا استقرَّ العلم واستقرَّ الجهل تالياً «فالعلم المستقر جهلٌ مستقر»، كما يقول النفري. وهنا يشير الباحث د. سهيل عروسي إلى أنَّ التصوف الإسلامي استقى الكثير من مفرداته من الهرمسية – هرمس أحد آلهة اليونان، ولكنَّه موجود في كل الأديان والثقافات واللغات بكيفيات مختلفة ومتنوعة.

ويقول «فيستوجيير»: إنَّ معاشرتي الطويلة للنصوص الهرمسية أدَّت بي إلى التمييز بين ضفتين من المعرفة الصوفية أطلقت عليهما رغبة في الاختصار: التصوف بالانتشار والتصوف بالانكفاء وأنَّ الهدف في كليهما هو الاتصال بالإله المتعالي بطريقتين مختلفتين غير متناقضتين.

وقد طرح التصوف الإسلامي قضايا لا تزال تشغل الفكر ومن أهمها: 1- قضية المعرفة؛ في مختلف ظاهرات الفكر العربي الإسلامي وتجلياته "علم الكلام، الفلسفة، التصوف، الفقه وأصوله. 2- قضية الحب؛ وذلك لأنَّ الحب أساس الحالة الروحية القلبية الكشفية في التجربة الصوفية.

مدارس

مدرسة الكوفة ظهرَ فيها أبو هاشم الكوفي في منتصف القرن الثاني للهجرة وارتدى جلباباً من الصوف، واعتكف فيها وحيداً يصلي ويتعبَّد. كما ظهر فيما بعد حبان الحريري، وكليب مع جماعة روحية عرفوا بالروحانيين وقد تأثَّر زُهَّاد هذه المدرسة بالثقافة الآرامية، ويمكن اعتبار رابعة العدوية شخصية زهدية صوفية في هذه الحقبة.

أما مدرسة البصرة فبرز فيها الحسن البصري، والذي يُعتبر أبا التصوف الإسلامي في مرحلته الأولى، أما مدرسة خراسان؛ فتتلخَّص فلسفتها في الزهد في قول أحد زُهادها: من أراد أن يبلغ الشرف، كل الشرف فليختر سبعاً على سبع: الفقر على الغنى، الجوع على الشبع، الدون على المرتفع، الذل على العز، التواضع على الكبر، الحزن على الفرح، الموت على الحياة. ويعتبر أبو اسحق إبراهيم بن أدهم (ت حوالي 790م) المؤسِّس الحقيقي لمدرسة خراسان.

المؤلف في سطور

د. سهيل عروسي باحث سوري مهتم بالفكر السياسي، ولد في مدينة الحسكة وتعلم بها، يحمل شهادة دكتوراه في الدراسات الإسلامية من كلية الدعوة الإسلامية في بيروت، وهو عضو في كلٍ من اتحاد الكتاب العرب، وهيئة الباحثين بمركز الدراسات والبحوث الإستراتيجية بجامعة دمشق.