يبحث الكاتب السوري محمود محمد علقم في تاريخ نهر بردى وواديه منذ العصر الآرامي واليوناني والعصر الروماني والبيزنطي والإسلامي والعثماني وحتى المرحلة الراهنة.
فالحياة في وادي بردى تعود إلى أبعد من نصف مليون من السنين، وقد ازدهرت دمشق منذ أواخر الألف الثاني قبل الميلاد في العصر الآرامي، وكان الوادي طريقاً للقوافل بين المدينتين دمشق وبعلبك. تبلغ مساحة الوادي نحو 175 كم2. وكان ورد اسمه في العهد القديم «التوراة» سفر الملوك الثاني وتفسيره الذي قام به نعمان السرياني، وذلك في القرن التاسع عشر قبل الميلاد
(أليس أبانه وفرفر نهرا دمشق أحسن من جميع مياه إسرائيل). وأبانه هو نهر بردى، وفرفر هو نهر الأعوج، والنهران يرويان مدينة دمشق وغوطتيها. وقد عرفه اليونانيون بأنَّه نهر فريسيو روس أو نهر برونيس، وأسبغوا عليه صفة القداسة، لأنَّه كان من عاداتهم تأليه الأنهار والينابيع، وقد أقيم على ضفته اليمنى معبد «حدد» الآرامي، ومعبد «جوبييتر» الروماني وكنيسة يوحنا المعمدان قديماً - الجامع الأموي لاحقاً.
وقد جاء في تاريخ ابن عساكر: إنَّ نهر بردى كان يعرف بنهر باراديوس أي نهر الفردوس. أما كدوسو الفرنسي والطبيب بوست الأمريكي فقالا: إنَّ أبانه هو نهر بردى، وإنَّ فرفر هو نهر الأعوج، وتتفرَّع من بردى قنوات كثيرة «سواقي» بدءاً من التكية التي تسقي الأراضي المنخفضة في وادي بردى، وتدير الطواحين على ضفتيه، وتقدَّر السواقي بخمس وأربعين ساقية تروي مختلف البساتين والقرى على كتفي الوادي.
وبردى اسم آرامي ومعناه البارد، وقد دعاه أسطفان البيزنطي منذ القرن الخامس للميلاد بنهر برونيس، وسماه البيزنطيون خريزوارس أي نهر الذهب، أما العرب فسموه بردى لبرودة مائه.
وقال نفطويه عن منبعه: هو بردى مخرجه من قرية يقال لها «قنوا» - وهو اسم آرامي قديم معناه القصب - وهي من أعمال الزبداني على خمسة فراسخ من دمشق، يظهر الماء من عيون هناك، ثم يصب في قرية تعرف بالفيجة على فرسخين من دمشق، ثم يخرج إلى جمرايا، فيفترق حينئذ، وينقسم إلى قسمين أحدهما في بردى.
وكان شمس الدين الدمشقي - القرن الثامن للهجرة وهو شيخ الربوة قد حدَّد أنَّ نهر بردى ينبعث من مرج الزبداني، ومن عين الدلة فوق الزبداني ومن عين الفيجة..
ومن عيون صغيرة على طول نهر بردى، وأصل عين بردى من تحت جبل في مرج الزبداني بجانب قرية يقال لها الصنيرة، وأنَّ عدد بساتين دمشق مئة ألف وواحد وعشرون بستانا تسقى بماء واحد من أرض الزبداني، ومن وادي بردى عين تنحدر من أوَّل الوادي ومن عين الفيجة وينبعث نهر واحد يسمى بردى، ثم يتفرَّق سبعة أفرع، وكل فرع تسمى باسمه:
Ⅶ نهر يزيد. ويُنسب إلى يزيد بن معاوية لأنه قام بتوسيعه، وجعل مياهه تصل إلى أبعد الأمكنة.
Ⅶنهر المزاوي. وسمي بالمزاوي نسبة إلى قرية المزة.
Ⅶنهر الديراني. سمي بالديراني نسبة إلى قرية داريا جنوب غربي دمشق.
Ⅶنهر تورا. يعود إنشاؤه إلى العهد الآرامي، واسم تورا سرياني باق على حاله في العربية ومعناه شباك صيد السمك.
Ⅶنهر القنوات. ويعود إنشاؤه إلى العهد الروماني وذكرت بعض المصادر أنَّ هذا النهر ُشقَّ في بداية القرن الثالث الميلادي.
Ⅶنهر بانياس. وهو النهر الذي يروي جزءاً من مدينة دمشق، إذ يتولى نهر تورا إرواء الأحياء الواقعة على الضفة اليسرى من نهر بردى، فيما يختص نهر بانياس بإرواء الأحياء الواقعة على الضفة اليمنى من النهر.
Ⅶنهر بردى. وهو النهر السابع والمتمرد عن التفرع، فيتابع نحو ساحة المرجة (الشهداء) حيث ترفده بعض الينابيع على طرفي مجراه، وينقسم إلى مجموعة فروع لتروي أرض الغوطة الوسطى والشرقية.
شعر
تغنى الشعراء بنهر بردى منذ أيام الجاهلية ومن أقدم الأشعار ما ذكره حسان بن ثابت الأنصاري في قصيدته التي يمدح بها آل جفنة الغساسنة:
أولاد جفنة حول قبر أبيهمُ
قبر ابن مارية المُعِمِّ المُخْوِلِ
يسقون من ورد البريص عليهم
بردى يصفق بالرحيق السلسلِ
المؤلف في سطور
المؤلِّف محمود علقم باحث سوري له مجموعة من الدراسات والمساهمات البحثية.
