يقدم كتاب «الثقافة والحرية» لمؤلفته خالدة سعيد، مُسودات أفكار حول مؤسسات المعرفة ومُعضلاتها المزمنة والعوائق التي تواجهها المدرسة العربية المعاصرة، وما تشهده من تراجع للغة العربية على حساب اللغات الأجنبية.

وهي لا تكتفي بقراءة الواقع العربي المأزوم، بعد مُضي أكثر من قرن ونصف القرن على «الانطلاقة الأولى لمؤسسات التعليم، وبعد مُضي سبعين سنة على الانتشار الواسع للمؤسسات التربوية عقب الاستقلالات العربية.

فتدعو إلى إعادة النظر في المحصلة والنتائج التي توصل إليها كبار الباحثين، وملامسة مواضع الضعف والتردي وتحديد أسباب الخلل واعتبار ذلك خطوة أساسية للتحول من البحث الذهني والتقريري.. وصولا إلى مراحل التطبيق العملي.

المدرسة العربية المعاصرة، كما ترى خالدة سعيد، وارثة لمدرستين تاريخيتين. الأولى دينية، تعمل على تعليم القراءة واستظهار المكتسبات المعرفية وترديدها. والمدرسة الثانية هي سليلة المدرسة اللانكاسترية (نسبة الى جوزيف لانكستر 1778 – 1838)، والتي برزت طلائعها الأولى في بدايات عصر النهضة العربية: «توجهت نحو تكوين عُمال مُرتفعي الكفاءة والانضباط الآلي، وإعداد النخب عن طريق البرمجة وتسريع التحصيل». وهي النموذج الذي تتمظهر من خلاله المدرسة الحالية، التي تُقدم للطلاب معارف مُبرمجة ومُعلبة.

وترسم لهم وجهة مُحددة وفق آليات وشروط مُحددة تقضي على كل إمكانية عندهم للخروج عن حرفية النص الى فضائه الأوسع.

تقترح خالدة سعيد جملة من الحلول أبرزها: إيجاد مؤسسات تعمل على تنشيط الحركة المعرفية في الأوساط المدرسية.. على مستوى التأليف، إنشاء مراكز رائدة، مراكز تأهيل وبحوث لغوية، تفعيل لحركة النشر، إصدار مجلات تربوية وأخرى متخصصة بالنشر العلمي.. مع إدراكها أن التفكير في أي مشروع إصلاحي شامل، يتصل بتثوير التعليم بالعربية، على مستوى الدول العربية، مُجتمعة او مُنفردة، هو عمليا نوع من الحلم المؤجل، لكنه ليس مُستحيلا إن توافرت الإرادات وتهيأ الوعي لإصلاح الخلل البنائي وإعادة هيكلة المؤسسات وتقويم المسارات وتغيير التصورات وتثوير المفاهيم الراكدة.

تعتبر الكاتبة أن التعديات على حرية الأدب، حظيت بنصيب من تسلط الأحزاب وتعنتها وهيمنتها على الكلام وحدّها عنن حرية الإبداع، ليستكمل ذاك صعود الجماعات الدينية وتشددها واحتكارها حق الكلام وإصدار الفتاوى والأحكام.

لا مناص، تقول المؤلفة، من ورشة تأهيل وإصلاح تطال أساسات النظام التربوي ومفاهيم التربية والتعليم.. وإتاحة المجال «لتأسيس أخلاقيات الحرية وأهليات النقد والمساءلة والتحليل وقبول التعدد.

وتُحمّل صاحبة «يوتوبيا المدينة» مسؤولية غياب الحرية، بتعدد أوجهها، إن في الصحافة أو النقد والتعبير، إلى الرقابة الصارمة واتباع الأنظمة سياسة كم الأفواه وفتح السجون، وعضدها في ذلك الأحزاب الايديولوجية وطغيان السلطة الدينية.

وتبلغ صاحبة «فيض المعنى» مرتفعا من السخط والتمرد، تفضح فيه زيف الواقع وتردي الشعارات الفارغة، التي أطلقتها أبواق المتسلطين من أهل السياسة ورجال الدين ومن متشدقين بعقائد وأيديولوجيات، اتخذوا من الاشتراكية وشعارات التحرير خطابا سياسيا، ليس هو إلا تمويها لطغيان يعمل على تأبيد السلطة وتحصين أدائها القمعي. ذاك بعد أن صارت الشعارات الإسلامية والاشتراكية وشعارات التحرير والوحدة، مُرادفة للخواء والتحجر والتخلف والتسلط.

تخرج خالدة سعيد في كتابها عمّا ألفناه من تنظيرات، تُراوح في المساحة الواهية الحافلة بتضخم الأفكار والمصطلحات والاستنتاجات، التي يخطّ عناوينها مفكرون وباحثون في أصول التربية وشؤون التعليم، وحتى في مُقاربتهم لمسألة الحرية والإبداع ولعمليات الوأد المبرمجة التي تنتهجها السلطة القمعية -سياسية كانت أم دينية- والأحزاب المرتهنة لإرادتها.

تُميط اللثام عن الارتكابات المقنعة عما تُفبركه الأجهزة في دهاليز المخابرات وأقبية التعذيب.. ومبينة أن رمزية تلك الأفعال تجد إسقاطاتها على الحالة التعليمية المتردية، وتراجع الحريات وانكفاء الديمقراطية الى مُستويات قياسية.

وتستتبع خالدة سعيد فصول الكتاب الثلاثة، بفصل أخير تختصر فيه تجربتها الخاصة مع ثلاث شخصيات ثقافية – تربوية، تميزت بعمق ثقافتها وعلمها ومواقفها الإنسانية. فكتبت فاصلاً من السيرة التربوية المعرفية للأخت بينديكت الكرملية في بيروت، والدكتورة ليلى الصايغ في دمشق، والمستعرب العالم الفرنسي جاك بيرك في باريس، مُستلهمة من تجاربهم انطباعات ورؤى تنويرية مستقبلية.

المؤلفة في سطور

خالدة سعيد. كاتبة سورية. بدأت كتابة النقد عام 1957، ونشرت أوائل مقالاتها في مجلة «شعر». وشاركت في تحرير مجلة «مواقف».

من أعمالها: البحث عن الجذور، حركية الإبداع، المرأة التحرر الإبداع، الحركة المسرحية في لبنان، الاستعارة الكبرى.

الكتاب: الثقافة والحرية

تأليف: خالدة سعيد

الناشر: دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر- دمشق 2016

الصفحات: 168 صفحة

القطع: المتوسط