يشخِّص كتاب «الطبقات الاجتماعية والسلطة السياسية في لبنان»، لمؤلفه د. فواز طرابلسي، أمراض لبنان السياسية والاقتصادية ويرد أسبابها إلى أنَّ لبنان بلد طوائف، أو بلد طائفي، وبناءً عليه، ولمَّا كان النظر إلى الطائفية بما هي «آفة» و«وباء» صارت الآفة سبباً لسائر الآفات والوباء مولّداً للأوبئة. ويقول طرابلسي: فخلال الحراك الشبابي تحت شعار «الشعب يريد إسقاط النظام الطائفي» كنتَ تشاهد على الجدران شعاراً: لماذا يوجد فقر في لبنان؟ لأنَّه يوجد نظام طائفي! وذلك لأنَّ البنية الطبقية اللبنانية «مشوّهة» خاصة في أدبيات اليسار اللبناني، لعدم تطابقها ومواصفات الطبقات في المجتمعات الرأسمالية الصناعية وعدم تقيّدها بثنائيتها المبسّطة عن استقطاب برجوازية/بروليتاريا.
وأحياناً أخرى، يطال التشويه الطبقات الوسطى بسبب خلائطها الطوائفية، بما هي أنماط حياة ومنظومات قيم ناجمة عن تلك الخلائط، فتبدو الطبقة الوسطى مشوَّهة لأنَّها تتداخل بها فروقات طوائفية وطبعاً، يســــتخدم خصوم اليسار هذه الحجَّة للقول بأنَّ لا وجود لطبقات في مجتمعاتنا لأنَّ الطبقات لا توجد إلا في «الغرب».
وعن تشكيلة المجتمع اللبناني، يبين المؤلف أن المسيحيين يشكِّلون - والموارنة خصوصاً، أكثرية في الطبقات العليا والمتوسطة، فيما يشكّل المسلمون، وخصوصاً الشيعة، الأكثرية في الطبقات الشعبية المدينية منها والريفية. ويشير إلى دراسة لكلود دوبار وسليم نصر، شدَّدت على التفاوت في فرص التعليم بما هي أبرز مظاهر التمييز الطوائفي - الاجتماعي، حيث إنَّ 60٪ من المسلمين في العيِّنة لم يتمُّوا المرحلة الابتدائية، فيما النسبة لا تتعدى الـ 28٪ عند المسيحيين.
وعكساً، في حين أتمَّ 34٪ من المسيحيين المرحلة الثانوية فإنَّ 15٪ فقط من المسلمين كان قد أتمَّها. على أنَّ هذه الفروقات في الامتياز التعليمي - الاجتماعي لا تقتصر على التفاوت بين المسيحيين والمسلمين، ذلك أنَّ التفاوت الإسلامي - المسيحي في فرص التعليم قائم ضمن الطبقات الوسطى بين مسلمين ومسيحيين أيضاً. ويقسِّم الباحثان «دوبار – نصر» حسب د. طرابلسي، الطبقات على أساس طائفي - المواقف المتباينة من العروبة ومن النظرة إلى المسألتين الطائفية والطبقية - فيخلص دوبار إلى: أنَّ الانقطاع الظاهر بين الحيِّز السياسي والحيِّز الاقتصادي في تشغيل المجتمع اللبناني ناتج من تمفصل مزدوج: تمفصل الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية على الانتماءات الطوائفية من جهة، وتمفصل العلاقات الطوائفية على المؤسَّسات السياسية من جهة أخرى.
غير أنَّ هذا الانفصام في حياة اللبنانيين الاجتماعية على أساس «ازدواجي»، لا يسمح للوعي الاجتماعي المتذرِّ بأن يخلي المجال أمام وعي سياسي مستقل. وهذا ما يفسّر: تماسك الطبقات القائدة في ما يتعدى الحيِّز الطوائفي وتذرُّر الطبقات الشعبية في ما دون الحيِّز السياسي - الطوائفي. ما يعني، كما يرى دوبار، وصولنا إلى خلاصة غامضة تقول: إنَّ مكان الطوائفية في الوعي الاجتماعي يمثِّل إذاً وأخيراً مؤشِّراً جيِّداً لأشكال التضامن الطبقية.
وعن العلاقة بين الطائفة والطبقة، يأخذ طرابلسي بالاعتبار: أولاً، أنَّ البنية الطائفية تخترق كل مناحي الحياة المجتمعية وتتدخَّل في الاقتصاد والاجتماع والثقافة، قدر تدخلها في السياسة والرمز والأيديولوجيا. ثانياً، أنَّ الطوائف لا تختزل المجال السياسي.
فهذا المجال هو أيضاً وخصوصاً مجال السلطة الطبقية. ثالثاً، أنَّ الطوائف والطبقات في المجتمع اللبناني جماعتان تتنازعان على الاستحواذ على الفائض الاجتماعي وتخوضان نزاعاتهما على صعيدي المجتمع والسلطة معاً. ومع ذلك فالعلاقة بين الطبقة والطائفة ليست علاقة تطابق بقدر ما هي علاقة توزيع عمل وتقاطع وفعل متبادل. وفي البحث عن جذور المسألة الطائفية اللبنانية تاريخياً فإنَّها نشأت من التفاوت في ارتباط الجماعتين الدرزية والمارونية (أو المسيحية عموماً)، بمواقع سياسية واقتصادية - اجتماعية مختلفة بل متناقضة في بنية النظام المقاطعجي في جبل لبنان في مراحله الأخيرة.
كان الخاصَّة من حكَّام جبل لبنان ينتمون إلى الأسر المقاطعجية الدرزية (خلا أسرتين أو ثلاث من الموارنة) والعامَّة -على اختلاف مهنهم ومستوى معيشتهم من تجَّار ومرابين وحرفيين وفلاحين وعمَّال -، كانوا من المسيحيين في أكثريتهم. وتغذَّى التفاوت بين هاتين المرتبتين المميزتين للتشكيلة الاجتماعية العثمانية، من ارتباط فئات من الجماعة المسيحية المبكِّر بالاختراق الرأسمالي للساحل وجبل لبنان من خلال اقتصاد الحرير، ومن أسبقية في تحصيل العلم من خلال المدارس الدينية الأهلية (التي تقرَّرَ إنشاؤها في مجمع اللويزة 1736) ومدارس الإرساليات الأجنبية.
أفضتْ حرب ١٨٦٠ الأهلية، وقبلها عامية كسروان، إلى نتيجة متفارقة: انتصرت خلالها الجماعة الدرزية عسكرياً لكنها سارت إلى الانحدار مع تفكك النظام المقاطعجي الذي ترأسه زعماؤها. وانهزم المسيحيون عسكرياً، لكنَّهم نجحوا في أن يحوزوا لوناً من الحكم الذاتي في جبل لبنان، حيث يشكِّلون أكثريته السكانية. وتكرَّست هذه النتيجة في قيام متصرفية جبل لبنان (١٨٦١-١٩١٥) يحكمها مجلس إدارة منتخب على درجتين تتوزَّع مقاعده الاثنى عشر على الطوائف الستّ الرئيسة بأكثرية مسيحية.
ويخلص المؤلِّف إلى أنَّ الاعتراف بوجود بنيتين طائفية وطبقية في المجتمع اللبناني لا معنى له، إلا إذا تكامل مع الاعتراف بأنَّ النظام الطائفي هو جزء من منظومة السيطرة في المجتمع اللبناني. ذلك أنَّ علاقة أبناء الجماعة الطائفية بالطائفة ومؤسَّساتها وزعامتها ليست مجرَّد علاقة طـــوعية، بل تنطوي على مقدار من القسر والإلزام المؤسَّساتي والقانوني.
الكتاب: الطبقات الاجتماعية والسلطة السياسية في لبنان/ دراسة
تأليف: فواز طرابلسي
الناشر: دار الساقي - بيروت 2016
الصفحات:256 صفحة
القطع: الكبير
المؤلف في سطور
د. فواز طرابلسي. مؤرخ وباحث لبناني. لديه مجموعة نظريات ودراسات ومؤلفات في قضايا الفكر والطائفية والسياسة.

