يعد كتاب «مصر في قصص كتابها المعاصرين»، لمؤلفه محمد جبريل، الجزء الثالث من العمل الموسوعي الضخم الموسوم بالعنوان نفسه..للمؤلف ذاته.

وتكمن قيمته الأهم في أنه محصلة قراءات ألزم بها الكاتب نفسه على مدى تسع سنوات، رصد فيها الإبداعات السردية منذ بواكير الرواية والقصة القصيرة في مصر، متناولاً عبرها بانوراما المعتقدات والعادات والتقاليد وكل ما يضيف إلى تكوينات المشهد المصري، من خلال دراسة تطبيقية في علم الاجتماع الأدبي حصل جزؤها الأول على جائزة الدولة التشجيعية.

يمثل هذا العمل جهداً نقدياً صارم المنهجية لروائيّ أعاد النظر إلى الزمكان المصري بأعين مئات المبدعين، بالإضافة إلى كل ما يتصل بموضوع الكتاب من أبعاد المعرفة الإنسانية.

الجزء الأول من الموسوعة عرض -تاريخيا- للفترة من الثورة العرابية إلى نهايات الحرب العالمية الأولى، وعرض الجزء الثاني للفترة من ثورة 1919 إلى نذر الحرب العالمية الثانية، أما هذا الجزء الثالث فيتناول الفترة من الحرب العالمية الثانية إلى ثورة يوليو 1952.

وفي عموم محاور الكتاب، يقدم الروائي محمد جبريل 25 فصلًا أو مقالًا يمكن اعتبارها دراسة وافية تتناول الأعمال الأدبية التي تعبر عن مصر، من خلال عيون مبدعيها الذين صوروا المتغيرات المصرية في أعمالهم الإبداعية.

واستهل المؤلف كتابه بتوضيح أبعاد الواقع المصري منذ ثورة 1919 التي تصدرها الشعب، حاكيا عن ما حملته من بعد اجتماعي وعبرت عنه الأعمال الروائية في الصدد، كما حدث مع رواية «نحن لا نزرع الشوك» ليوسف السباعي.. وكذلك رواية «زقاق المدق» لنجيب محفوظ، وهي أحداث جاءت في سياق هذه الأعمال وعلى لسان شخصيات الروايات.

كما يحلل ويبين الكاتب طبيعة حضور حزب الوفد ورئيسه مصطفى النحاس ومن بعده سعد زغلول في الإبداعات الأدبية. ففي مقالة بعنوان «مصطفى النحاس: زعامة بريئة أم مدانة؟» يرصد جبريل كيف صورت الأعمال الأدبية، مثل «السكرية» لنجيب محفوظ وكذلك «نحن لا نزرع الشوك»، زعامة مصطفى النحاس لحزب الوفد.

أما الملك فاروق -آخر ملوك مصر وآخر من مثل الدولة العلوية-، فكان له نصيب الأسد من الحقبة الملكية؛ باعتباره شخصية رمزية ممثلة للنظام الملكي.

وفي هذا السياق يقدم المؤلف الكتابات المتنوعة عن تلك الحقبة؛ منها كتابات أحد رواد الصحافة المصرية: جلال الدين الحمامصي وكتاب «واحترقت القاهرة» للكاتب أحمد حسين، كذلك رواية «قبل وبعد» لتوفيق عبدالرحمن ورواية «الحصاد» لعبدالحميد جودة السحار، فضلًا عن رواية «وكالة عطية» لخيري شلبي و«شيء في صدري» لإحسان عبدالقدوس.

أما رواية في بيتنا رجل للأديب إحسان عبد القدوس، فكان لها مقال منفصل، لا سيما أنها حملت بين طياتها رسالة المقاومة وعززتها عن طريق غالبية شخصيات العمل؛ فرواية الشاب الذي يضحي بنفسه في سبيل وطنه كان لها عظيم الأثر في متلقيها. كذلك رواية حديقة زهران لعبدالفتاح رزق التي سبقت ميلاد ثورة يونيو 1952 وفجرت الأزمات والمحن والويلات في فلسطين..

وكذا تفشي الأوبئة، مثل: الكوليرا ورمزيتها. وانتقل الكاتب من السياسة إلى رصد الحياة الطبيعية؛ ومن هذه الأعمال التي تناولت الحياة والمهمشين:«الحرام» ليوسف إدريس، «الرواية الملحمية»: «الأرض» لعبد الرحمن الشرقاوي.