يُحيط كتاب (نزار صابور/‏الإنسان اللوحة) لمؤلفه سعد القاسم، بالمفاصل الرئيسة لتجربة الفنان التشكيلي السوري نزار صابور (مواليد اللاذقيّة 1958 ويعمل أستاذاً لمادة الرسم والتصوير في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق)، شارحا الانعطافات الأسلوبيّة والمضمونيّة التي شهدتها هذه التجربة، منذ مغادرته محترفات قسم التصوير في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق عام 1981، ثم محترفات المعهد العالي للفنون التطبيقيّة (سترونجوسوفسكي) بموسكو 1990..

حيث حصل منه على درجة دكتوراه فلسفة في علوم الفن، وحتى اللوحة الأخيرة التي خرجت من محترفه. ولأن القاسم زامل الفنان صابور خلال دراسته الجامعيّة الأولى في كلية الفنون الجميلة بدمشق، وحصلا على الإجازة في الاختصاص نفسه، جاءت إحاطته بتحولات لوحة الفنان صابور دقيقة وشاملة، وهذه اللوحة (بحسب المؤلف) لا تقدم للمشاهد ما يألفه أو يتوقعه، لكنها أيضاً لا تدير ظهرها له.

إنها تدعوه للتأمل والتفكير والحوار، وللبحث في جوهر الأشياء، وتحسس القيم الجماليّة التي انتقلت جيلاً إثر جيل، عبر اللمسات المبدعة لفنانين، وحالمين، وحرفيين مهرة، صنعت حكايات جلجامش وعنترة والإيقونة والمنمنمة ومقامات الأولياء وأبواب البيوت القديمة.

وهذه اللوحة عربيّة وشرقيّة، لا تتملكها عقد النقص أمام (موضات) الفن المعاصر في الغرب، لأنها تجد مرجعياتها في بيئتها هي، بمفهوم ينأى عما هو سياحي وسطحي، ليلتقط الفنان صابور بحس بارع، نتاج العلاقة بين الزمان ومظهر المكان ورؤى إنسانيّة.

فإن لم نجد فيها الحارات القديمة (كما يقول القاسم) والمشاهد البحريّة، ووجوه القديسين، وأبطال المنمنمات، سنجد الزخارف العفويّة التي صنعتها ربات البيوت في منازلهن، ولمسة المناخ البحري على الجدران، وانعكاس الشمس على الحجارة التدمريّة.

بعد أن يستعرض الكتاب مغامرة ريشة صابور الأولى، وانتسابه إلى كلية الفنون الجميلة بدمشق، ثم سفره إلى موسكو لمتابعة الدراسة كمعيد موفد لصالح جامعة دمشق، يقف عند الانعطافات التي شهدتها تجربته الفنيّة، مقرونة بالمعارض الفرديّة التي تمثلها وأولاها معرض (مدن الشرق في الشرق) الذي قدم فيه أعمالاً فنيّة متجانسة، تتماهى فيها المنمنمات العربيّة القديمة والإيقونات الشرقيّة.

وفي العام 2000 خطا نزار خطوة جديدة في التعامل مع اللوحة المجسمة (التركيبيّة) التي شكّلها من خزائن المرايا التقليديّة، لكنه ظل مُحافظاً في معالجته لأشكالها وألوانها، على شغفه بالبساطة والعفويّة.

ويُشير الكتاب، إلى أنه في العام 2002 قدم الفنان صابور تجربة فنيّة جديدة، أكد من خلالها ولعه بالفن الفطري الشعبي، وفي نفس الوقت، اختزل فيها نتاج المراحل المتعاقبة في مجمل تجربته.

حملت هذه التجربة عنوان (حياة في الرماد) استخدم في تنفيذها رماداً حقيقياً، مضمناً إياها رؤيته الفلسفيّة الجماليّة، وبحثه عن صيغة تشكيليّة روحانيّة، تنقل عبر الشكل واللون ذلك الإحساس المتجاوز للمشهد المادي، نحو ما يكتنفه من أحاسيس ومشاعر تتخطى – ولو على مستوى البحث الذهني- ما هو مرئي ومباشر نحو ما يدركه العقل والأحاسيس العليا. بعدها عادت الهياكل الخشبيّة لتظهر بقوة في أعمال نزار.

حيث أقام العام 2005 وسط دمشق القديمة، وعلى مسافة قريبة من المكان الذي أمضى فيه الرسام الشعبي الدمشقي أبو صبحي التيناوي سنوات عمره يرسم أبو الفوارس (عنترة) وست الحسن(عبلة).

أبدى نزار صابور اهتمامه برسوم الواسطي، ورغبته بالاستفادة منها، وهي أحاسيس مماثلة انتابته أمام أعمال التيناوي، ولا سيّما موضوعه المفضل (عنترة وعبلة). لقد جمعت بين الفَنَانين البساطة الشديدة، والروح الشرقيّة المميزة، والتفرد بالطريقة، وشعبية الموضوعات. بعدها اشتغل نزار على (الجدران التدمريّة) التي لم يقتصر فيها على التنقيب في ذاكرة الأرض والوجدان.