يقدم كتاب «الجدّ الأكبر»، لمؤلفه عبدالفتاح قــــلعه جي، ثلاث مسرحيات، تطرح قيماً وأسئلة وجودية تؤرق الإنسان، وتؤكد المخاطر التي يتعرض لها الوجــود الإنساني الذي يواجه الفناء بسبب انتشار الحروب والتجويع والتهجير وأعمال القتل، وتجسد عبثية الحياة من خلال شخصيات تحمل قلقاً وألماً إنسانياً لا حدود لهما.

إننا في مسرحية «لا شيء في الحديقة» نطالع الإحساس بالضياع والحصار في حديقة يتحكم فيها قنّاص يقتل الطيور. والإنسان الذي أعطي الحرية استغلها في تهديم هذا العالم الجميل، فهو الآن يناضل ليعود عبداً، أمّا الحديقة الإنسانية فكل ما فيها يفقد دفء الحياة ويتشيّأ ويتحجر.

إنّ الطبيعة مثقوبة فيها تعب كبير كثقب الأوزون، وخرجت عن قوانينها لتكمل دورتها وسيتحول الناس في تطور عكسي إلى حيوانات تنهش بعضها، سوى فئة قليلة هــــي الأمل في ولادة جــديدة، وهذه ولادة مؤقتــــة ثم يعود الناس إلى مـــــا كانوا عليه، البشرية لم يطــــهرها الطـــوفان وعادت إلى ما كانت عليه، وسيكمل التطور دورته حتى يتحول الناس كلهم ويحصل الانفـــجار الكبير ويدمر الكون.

وفي مسرحية «الجدّ الأكبر» نطالع تاريخ الإنســـانية وآلامها من خلال البوح الذاتي، فثمة عائلة محكوم أفرادها بقدر قاس يتمثل بالقتل والشيخوخة والاغتصاب واختلالات النفس والذاكرة، نتعرف إلى تاريخها وشخصياتها من خــلال حديثها عن نفسها، ويأخذ الموت المتمثّل بفتاة جـــذابة لطيــــفة دور المخلص الأبدي، ويبقى الإنسان المعذب ينتظر الموت الذي يحمل إليه الخلاص والراحة.

ونسمع «سراب» تتكلم: «إنّ اليقظة التي أدعوهم إليها يتلوها خلاص من هذا الجزء الكثيف وتحرّر من الحبس اللطيف.. أنا أخلصهم من الغربة ليعودوا إلى موطنهم الأوّل، حيث السلام والنور والجمال.. هذه الدنيا التي يخافون فقدها ويبكون عليها، هي مجرّد حلم سرعان ما يذوب ويتلاشى مع أوّل اليقظة، وهي كنثارة ثلج تحت شمس تموز».

وفي مسرحية «مقهى الجثث المعلقة» تتوالى الصراعات الدموية الطائفية، وجرائم القتل. ويتناوب على فعل الموت والتدمير كل من الجلاد والضحية.

وتتــــحول شجــرة الحياة إلى شجرة «بلاستيكية»، ولهذا يحق للراوي الذي ينظر بعــيني نسر أن يواجه البشرية المعذبة بســؤال وجودي عميق. وتبين المسرحية أن طغاة العــالم سيقصفون المدن ويزرعون الفـــتن ويحاصــرون الشعوب بالموت والجوع والحرمان ثم يقولون: نحـــن رسل العالم الجديد، جئنا نخلصكم من ملوككم الطغاة ونحمل إليكم نعمة الأسماء، ويستمر القتل والتجويع والتشريد والنزوح والشقاء.

في سبيل الخير والحق والعدل

يعالج الكاتب في مسرحياته الثلاث، موضوعات حياتية نختبرها يوميا..ومنها ما يؤرقنا ويكثف التساؤلات في دروبنا ومساراتنا. ويحاول التخفيف من حدة وكثافة مضمونها، عبر لغة ومعالجات أدبية ممسرحة، تنطوي على التشويق والجذب، وتغني مخزوننا اللغوي. وهو في شتى تحليلاته ونظراته في المسائل التي يطرقها مسرحيا، يبقى مسكونا بسؤال الوجود وقيم الخير والحق والعدل.