يلخِّص كتاب «المجتمع الشبكي»، لمؤلفه الباحث دارن بارني، في سؤاله الذي يطرحه في المضمون: من سينجح في جلب العولمة إلى صفِّه، السياسة..أم المعلوماتية للمجتمع الشبكي. ويناقش موضوع دراسته من خلال خمسة فصول: المجتمع الشبكي، التقانة الشبكية، الاقتصاد الشبكي، السياسات الشبكية، الهوية الشبكية.

ويأخذ برأي عالِم الاقتصاد السياسي ماكس فيبر الذي يصف الحداثةَ بأنَّها «قفص حديد» مأهول بمتخصصين بلا روح، وشهوانيين بلا قلب. وكان أكثر ما يميِّز روح الرأسمالية الصناعية، في تقديره، افتقارها إلى الروح أصلاً.

ومع ذلك، كانت هناك محاولات وتَمَثَّلَ واحدٌ من أكثر الجهود جديةً وطموحاً لوضع تصوُّر لروح الحقبة المعاصرة في ما جرى تجميعه في عبارة «المجتمع الشبكي» باعتبارها أطروحةً تؤكِّد بعبارات بسيطة أنَّ (روح) عصرنا هي روح الشبكة؛ إذ إنَّ المبادئ التأسيسية للشبكات أصبحت قوَّة محرِّكة للحياة الفردية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

وعبارة «المجتمع الشبكي» هي تجميع لجهد متعدِّد للتعبير عن الروح المميزة لكل ما يلي تحقيق المشروع الحديث في الغرب أو استنفاده. ففي العالم الغربي كان عصر الحداثة، من بين أشياء أخرى، عصراً للتقانة التصنيعية وللانقسامات الطبقية والمجتمعات الجماهيرية والأسواق، إضافة إلى الصراع الأيديولوجي وتنظيم السلطة السياسية على مستوى الرقعة الترابية للدولة القومية ذات السيادة.

وتنطبق عبارة «المجتمع الشبكي» كما يرى المؤلِّف، على المجتمعات التي تظهر فيها خصيصتان أساسيتان:

الأولى تتمثَّل في أنَّ هذه المجتمعات توجد فيها تقانة معقَّدة (رقمية على وجه التحديد) من الاتصال..

إدارة توزيع المعلومات على نحو شبكي، وتضم تقانة تشكِّل البنية التحتية الأساس التي تتوسَّط عدداً متزايداً من الممارسات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. أمَّا الخاصية الثانية والأكثر غرابة، إذا صحَّ التعبير في المجتمعات الشبكية، فهي إعادة إنتاج الشبكة ومأسستها في كلِّ مكان من المجتمعات الشبكية «وبينها»، باعتبارها الشكل الأساس للتنظيمات والعلاقات الإنسانية، عبر نطاق واسع من الهيئات والجمعيات الأهلية والسياسية والاقتصادية.

ويفسر الكتاب أنه تقوم أسس المجتمع الشبكي الاقتصادية على اقتصاد رأسمالي «معلوماتي»، بمعنى أنَّه معاكس للاقتصاد الرأسمالي الصناعي الصرف. وهي اقتصادات أعيدت هيكلتها لتعكس أولوية توليد المعرفة والمعلومات ونشرها، خصوصاً أنَّها تتعلَّق بتحسين سيْر عمليات الإنتاج والأسواق وضبطها.

وهي كذلك اقتصادات تُشدّد على التحديد التقني المتواصل، واتباع المرونة في زيادة الإنتاج إلى أقصى حد، باعتباره المصدر الرئيس للنمو. ويدفع نمط التنمية القائم على المعلومات بالرأسمالية نحو اتخاذ شكل توسُّعي ومتجدِّد في عمق المجتمع الشبكي.

كما تتحوَّل في المجتمع الشبكي، تجربة الزمان والمكان إلى «زمن لا زمني» وإلى «مكان للتدفقات». ويعيش البشر غير منفصلين عن المكان والزمان، لكن تجربة عيشنا هذا المكان وهذا الزمان يمكن أن تتنوع كثيراً، خصوصاً عندما تتوسطها التقانة وتجعلها صنعيَّة.

أما المصدر الرئيس للصراع والمقاومة في المجتمع الشبكي فهو التناقض بين الطابع اللامكاني للشبكة وتجذّر المعنى الإنساني. ذلك أنَّ المجتمع الشبكي يخلع تقنياً عيشنا العمليات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية..

ويخلّع السلطة والسيطرة عليها. ويتعارض هذا التخليع مع الارتباط الوثيق الجوهري بين الحياة والزمان والمكان، كما يتعارض مع حاجة البشر الملحة إلى ممارسة قدر من السيطرة والموضَّعة على شروط العيش.

ومن المهم هنا، الإشارة إلى أنَّ أحدث تقانات الاتصال، مثل الآلة الطابعة والتلغراف والبث الإذاعي والتلفزيوني، كان لها دور أساس في تنظيم النشاط الاجتماعي والاقتصادي، وكذلك في ضمان ممارسة السلطة السياسية السيادية والحفاظ عليها على الصعيد القومي.

وفي الحالة المشار إليها آنفاً، فإنَّ هذه التقانات عينها هي التي خلقت إمكان الاتصال شبه المتزامن والموحد بين السلطة السياسية الموجودة في جهاز الدولة المركزي والجمهور القومي المنتشر على ذلك الإقليم القومي؛ كما أنَّ هذه التقنيات مكَّنت هذه السلطات المركزية من تلقِّي معلومات في شأن مؤامرات أو تهديدات (داخلية أكانت أم خارجية)، ما مكَّنها من الرد عليها بعد ذلك رداً أسرع.

كما تفرَّدت تقانات وسائل الإعلام، مثل الصحافة والإذاعة، بدور فاعل في تكوين مجالات الحياة القومية العامة والمجالات السياسية للمجتمع المدني، وصيانتها وتشكيلها، حيث يُسن مفهوم المواطَنة الديمقراطية الليبرالية، ويتشكَّل الرأي العام، وتُختبر شرعية السلطة السيادية للدولة.

ويرى المؤلِّف بارني أنَّ الهوية الشبكية تُقَدَّم باعتبارها قوَّة جدلية نشيطة تقابل ديناميات المجتمع الشبكي المُخلَّعة وتظهر الهوية باعتبارها آخر العولمة المغترب، آخر «الزمن اللازمني» و«فضاء الدفق» الذي ليس مكاناً. ويظهر هذا «الآخر» تارة جزءاً من الشبكات العالمية..

وطوراً عنصراً متفلِّتاً من قبضتها. وبهذا المعنى، تتراءى الهوية باعتبارها قوَّة تنظيم تعمل عملها في صفوف أولئك الذين يرون في المجتمع الشبكي عاملاً يُحدُّ من استقلاليتهم، ويرون في القوى العالمية عامل تهديد لخصوصياتهم.

كما يرى هؤلاء أنَّ قدرتهم على تحديد شروط وجودهم تتراجع؛ لأنَّ أطرافاً ومؤسَّسات أخرى أحكمت قبضتها على مصيرهم. ويمكن للناس أن يختاروا أكثر من هوية، وأن يراجعوا هوياتهم المتعدِّدة بيسر، ويضمنوا أنَّ «ذاتهم» لم تعد رهينة تاريخهم إلا بقدر ما هي رهينة اسمهم أو جسدهم أو غير ذلك.

وفي إطار هذه البنية، ما عادت الذات أو الهوية أمراً تتوسطه الشبكة فحسب، بل باتت الهوية ذاتها تكتسب سمات الشبكة «نظام من العُقد التي تربطها وصلات مختلفة القوة والعمر»، تُمارَس الهوية عبرها، ولا تكون مجرد وجود قبلي. ذلك أنَّ «المجتمع الشبكي» ليس مجرَّد تسمية تُحيل إلى سمات معيَّنة، بل هو خطاب مُحْكَم كذلك.

وعلى الرغم من أنَّ التسمية تبدو محيلة إلى مجموعة من الديناميات الاجتماعية المعاصرة، فإنَّها تقدِّم، في واقع الأمر، السيناريو الذي يضبط دور كل طرف منا، ومعايير الحوار بيننا، وتطلّعاته وشروطه. وهنا يمكن أن نميِّز بين أطروحة المجتمع الشبكي باعتبارها وسيلة استقصاء وتفسير وخطاب «المجتمع الشبكي» باعتباره خطاباً أيديولوجياً ذا وظيفة أدائية وتوجيهية.

وما أود تأكيده هو أن تقديرنا لنفع الأولى يجب أن يشوبه الإقرار بما تنطوي عليه الأخرى من إشكالات. وأما الإجابة عن سؤال: هل الفصل التام بين هاتين العمليتين ممكن، فليست بالأمر الهين، لكن وعينا بهذه المشكلة ربما يكون كافياً في حد ذاته. وعلى أية حال، فإنَّ التاريخ، لا نحن، هو الذي سيقرِّر ما إذا كان أولئك الذين تكلَّموا لغة المجتمع الشبكي حسموا الأمر، أم أنَّهم لا يزالون قيد حسمه.