يستهل كتاب «النص والصورة.. السينما والأدب في ملتقى الطرق»، لمؤلفته الدكتورة سلمى مبارك، أبحاثه بالإشارة إلى أنه تعاني علاقة الأدب بالسينما من غياب أرضية نظرية خاصة بها، وهي المعاناة التي تتشارك فيها مع عدد من المجالات البيئية الأخرى التي تمد أذرعا بين حقول فنية مختلفة.
وربما يعاني موضوع علاقة السينما والأدب أكثر من غيره؛ نتيجة لميراث فكري طويل رأى في الفن السابع حقلًا غير آهل لوضعه على قدم المساواة مع الأدب، فن القول النبيل ذي التاريخ العريق، مقارنة بفن حديث النشأة أصوله صناعية، يرتبط في الذهنية العامة بقيم الترفيه والإمتاع.
ويتناول الكتاب -كما يتضح من المقدمة- علاقة الأدب بالسينما من خلال نماذج سينمائية اعتمدت على الأدب في طرحها، مثل رواية «مالك الحزين» للكاتب إبراهيم أصلان، ورواية «الحرام» للأديب يوسف إدريس وكذلك «البوسطجي» للكاتب يحيى حقي، وجميعها كتابات أدبية حولت إلى شريط سينمائي مبهر.
يأتي الكتاب في ثلاثة أبواب: الأول بعنوان «محطات في تاريخ مشترك»، وترصد فيه المؤلفة كيف تعامل الكُتّاب والأدباء في تلك المرحلة، أمثال: طه حسين وعباس محمود العقاد ويحيى حقي، مع فن السينما الجديد الساحر.
كما تخصص فصلًا تتناول فيه علاقة نجيب محفوظ مع السينما، التي لم تقتصر على تحويل أعماله الأدبية إلى أفلام، بل تكشف من خلال أرشيف محفوظي خالص عن العلاقة الخاصة التي نشأت بين محفوظ والسينما والتي وصلت إلى حد «لهيب العقل» على حد وصفه.
أما الباب الثاني فيقدم تحت عنوان «الموازاة»، وتعنى فيه المؤلفة في تتبع علاقات التشابه بين عناصر بعيدة عن بعضها البعض، يؤدي تجاورها إلى اكتشاف عناصر مشتركة بينها، فلا هو البحث عن التطابق ولا هو التأكيد على التباعد، وتتناول المؤلفة في الباب ذاته، كلاً من رواية «مالك الحزين» لإبراهيم أصلان.
وكذلك فيلم «الحريف» للمخرج محمد خان، وتيمة المكان التي تتوافر في العملين؛ بل ويقوم عليها العملان، كما تقدم تحليلًا للأفلام وعلاقة المكان بالشخصيات.
ويقدم الباب الثالث «الاقتباس»، وهو الشكل الأكثر شيوعا لدراسة العلاقة بين الأدب والسينما، لكنه يقدم أكثر المفاهيم إشكالية في المجال. وتبدو إشكالية دراسة الاقتباس ذات وجهين: الأول ينطلق من قضية التراتبية بين الفنون، التي لا تزال السينما تحصل فيها على درجة أقل من درجة الأدب، والوجه الآخر أصوله نقدية، يرتبط بمفهوم الاقتباس في حد ذاته.
وتقدم المؤلفة فيلم «الحرام» للمخرج هنري بركات، من خلال التركيز على الصوت في الشريط السينمائي الذي يعتبر أحد أهم عناصر الوسيط السينمائي، وترصد ملامح الشبه بين النص الروائي والشريط السينمائي في هذا الفصل.
كما تطرح في الفصل الثاني من الباب الثالث، قراءة لفيلم «البوسطجي» والرواية التي تحمل الاسم نفسه، للكاتب يحيى حقي. راصدة ملامح الخلاف فيما بين الإبداعين، كما تطرح في الفصل الثالث من الباب الثالث الفيلم الروائي القصير «شكاوى الفلاح الفصيح» للمخرج شادي عبدالسلام..
موضحة جماليات الفيلم السينمائي الذي أتى بتفاصيل موضحة ملامح حياة الفلاح التي لم تتضح مع النص الأدبي الأصلي، وهو ما يشير، على حد قولها، إلى أن السينما وصورتها يمكن أن تضيف للجماليات اللغوية الأدبية.
والملاحظ بعد قراءة كتاب «النص والصورة السينما والأدب في ملتقى الطرق» أن مؤلفته اعتمدت في كتابها على التحلــــيل العمـــيق للأفلام، وتوضيح ملامح العــلاقة بين الأدب كفن يعتمد على البلاغة اللغوية، والسينما كفن يعتمد على بـــــلاغة الصورة وجمالياتها
نسقان متناغمان
تتقصى مؤلفة الكتاب، جوانب العلاقة بين السينما والادب، وفق منهج بحث شامل، يرصد أدق التفاصيل، ويحلل ويستنبط، لتطلعنا في خلاصات جهودها، على حقيقة التوأمة بينهما.. وكونهما، معا، سياقا أدبيا فنيا، يرسخ الفكر والأهداف التي يرمي إليها موضوع النص -السيناريو، خاصة اللمقتبس من الأدب، وتشــــدد هنا على أنهما فعــليا: الأدب والسينما، في وحدة حال.
