يجيب كتاب (تعليم التاريخ عبر التاريخ) لمؤلفه زهير ناجي، عن جملة من القضايا المتعلقة بمادة التاريخ، وعملية تدريسها، منذ اهتدى إليها الإنسان للمرة الأولى، وحتى القرن العشرين، وذلك خلال مرحلة المرويات الشفوية في عصور ما قبل التاريخ، ولدى الشعوب البدائية، ومن ثم في مرحلة المدونات، التي بدأت لدى الشعوب القديمة، واستمرت حتى يومنا هذا.

يستعرض الكتاب عملية تعليم التاريخ في مصر الفرعونية، وبلاد الرافدين، وبني إسرائيل، والهند، والصين، واليونان، والرومان، وصولاً إلى تدريس التاريخ في التربية الإسلامية والعربية، حيث حدد أهداف تدريسه بتربية الجماهير تربية سياسية، والإعداد السياسي والثقافي للطبقة الحاكمة..

إضافة إلى ما تمنحه عملية تدريس التاريخ لمتلقيها من ثقافة عامة، ومتعة فكرية، وتربية عقلية تفضي إلى الدقة العلمية والموضوعية في الأحكام. ولعملية تدريس التاريخ أغراضها الأخلاقية والدينية، وبالإمكان فهم الحاضر، والتنبؤ للمستقبل من خلالها. أما أماكن رواية مادة التاريخ وتدارسها وتدريسها، في العصور العربية والإسلامية المختلفة..

فكانت تجري في الجاهلية في البيوت عن طريق الآباء. وفي أماكن العبادة الوثنية، التي يحج إليها الناس، أو يجتمعون عندها، كمكة ومنى، وفي الأسواق التجارية الموسمية والدائمة التي كانت مدارس حقيقية للفكر كسوق عكاظ، وفي الأندية التي يجتمع فيها علية القوم كندوة قريش، ومجالس السمر القبلية.

وكان معلمو هذه المادة هم النسابون والقصاصون والإخباريون والشعراء والخطباء والكهان والمتنبئون. وفي صدر الإسلام، استمر نقل المعلومات التاريخية في الأماكن نفسها، وعلى يد الأشخاص أنفسهم، مع تحوير بسيط اقتضته الظروف الجديدة، فأضيفت إليها المساجد بدلاً من أماكن العبادة الوثنية..

وفي المجالس الخاصة، كقصور الحكام والأمراء وبيوت المثقفين والأغنياء ودكاكين الوراقين. كان التاريخ (بحسب الكتاب) علماً يطلبه الطلاب، ويهرعون إلى أساتذته، يتتلمذون عليهم، ويغترفون من مناهلهم، بأسلوب يُلائم التربية الإسلامية، فهو جزء رئيس وأساسي في الثقافة العامة عند العرب والمسلمين.

وهو أداة تعليم فكري، غايتها بث الأفكار (الإيديولوجية) وتثبيتها على أنها حقائق الحياة الكبرى، التي لا يمكن الشك بها. وسيلة إيديولوجية لتبرير الحاضر، والدفاع عنه، تتكيف بالطريقة التي يريدها مستعملها، حسب الظروف المكانية والزمانية.

إن نظرة عابرة إلى مادة التاريخ في العصر الإسلامي الأول، تؤكد أن هذه المادة استخدمت من أجل أهداف كبرى، كتوطين النظرة الدينية الجديدة، وخدمة السياسة العملية، وغيرها.

بعد ذلك، ينتقل الكتاب إلى الحديث عن تدريس التاريخ في أوروبا في العصور الوسطى والحديثة والمعاصرة، ثم في الولايات المتحدة الأميركية. وفي الفصل الأخير، يستعرض آراء بعض رجال التربية وعلم النفس، في دراسة التاريخ في القرن التاسع عشر، ومطلع القرن العشرين، منهم: هربرت سبنسر.

في النهاية، يتساءل الكتاب: هل انتقصت التربية الحديثة من أهمية مادة التاريخ؟ للإجابة عن هذا التساؤل، يستعرض المؤلف بعض آراء علماء التربية..

ومنهم ديوي، الذي يعتقد أنه ليس للتاريخ قيمة تربوية إلا بمقدار ما يعرض من أوجه الحياة الاجتماعية ونموها، ويجب أن يضبط التاريخ على أساس الحياة الاجتماعية، أما أن يُدرس على أنه مجرد أحداث بالماضي، فإنه يُلقى في أغوار الماضي، ويُصبح ميتاً بغير حركة.

وعموما، يوثق الكتاب لجملة آراء حول قيمة التاريخ وأهميته مادة دراسية تربوية، ومن بين أبرزها آراء مفكرين أجمعت على أنه حين يُدرس التاريخ على أنه سجـــل حياة الإنسان الاجتماعية، فإنه يصبح زاخراً بالمعاني. بمعنى آخر: لا بد من التــــفريق بين علم التاريخ وتدريسه، فتـــدريس التاريخ يمكن أن يرتبـــط بمشكلات الحياة وحاجاتـــها ليصبح له معنى.