يؤرخ كتاب «حروب الجمهورية القرطاجية..من التأسيس حتى السقوط -146 ق.م-»، لمؤلفه عبد الله يوسف السليمان، لشخصية هانيبال وحروب قرطاجة ومشروعه لاحتلال روما بحملة برية طويلة عبر جبال الألب، وهي التي أخذت المؤرخين بسحر أحداثها..
فبدأ برواية التأسيس الواردة في الأدب اليوناني واللاتيني، وارتبطت بأميرة من صور تدعى «إليسا» التي هربت من صور بعد مقتل زوجها، فعندما مات والدها ورثت إليسا العرش مع أخيها ثم تزوجت الكاهن الأكبر، إلا أنّ أخيها قتل زوجها .
. فقررت الهرب بأموال زوجها، وأبحرت نحو الغرب ووصل أسطولها إلى أفريقيا، وعند وصولها استقبلت بالترحاب من القبائل المحلية، وسمح لها بشراء قطعة أرض بمقدار ما تستطيع أن تغطيه بجلد ثور.
قصّت الأميرة الشابة جلد الثور على شكل خيوط دقيقة، وحدّدت بها قطعة الأرض التي تريد تملكها، وهكذا حدث الاستقرار. وكان أن تقدم ملك المكسيتانيين يطلب يدها، فأشعلت النار للتضحية بعدد من الحيوانات، ولكنها سحبت سيفاً وصعدت الكومة وطعنت نفسها، وكان ذلك في سنة 814 ق.م. وهناك سبب آخر للهجرتين:
هجرة مدينة صور لتعرضها للحصار من نبوخذ نصر وانتهى بخضوعها الاسمي للعاهل البابلي، فما كان من أهل صور إلا أن هاجروا إلى قرطاجة.
ومن نسل إليسا ولَد هانيبال بن هامليكار، القائد المدرّب والقدير، وصاحب الخبرة الواسعة مع القوات الرومانية في الشواطئ الجنوبية لإيطاليا، وحماية المدن البونية في الصقلية. وسرعان ما خطف أنظار الجيش وكان الجنود يرون فيه أباه هامليكار. وعندما مات زوج أخته جاءت الأخبار بأن الجنود اختاروا هانيبال بن هامليكار قائداً عاماً بالإجماع.
بعد الانتهاء من غزواته، اتجه إلى مقره الشتوي في قرطاجة، وهناك وجد سفارة الرومان فاستقبلهم واستمع إلى الرسالة التي كلفوا بها، وهي عبارة عن تعليمات مشدّدة موجهة له، أجاب هانيبال على ذلك مدفوعاً بكل حماس الشباب وكراهيته القديمة لروما، فاتجه إلى ساجنتوم، وحاصرها ـ وبدأت الحرب البونية الثانية، وعبر نهر «الايدو» ..
وبدأ بإخضاع القبائل الإيبرية، ثم عبر جبال البرانس، وعندما وصل إلى نهر «الرون» كان جيشه يقدر بخمسين ألف جندي وتسعة آلاف فارس، وأعطى أوامره للجنود بأن يعبروا النهر، وعلى الضفة الأخرى للنهر استنفرت القبائل الغالية..
ولكن فجأة بدأت النيران تلتهم خيامهم، فأدركوا أنهم غدوا بين فكي الكماشة، فعبرت قوات هانيبال بهدوء وعبرت بعدها الفيلة، وبعد معركة نهر «الرون» اتجه شمالاً إلى جبال الألب، وتابع الجيش زحفه تتقدمه الفيلة والفرسان، ووصل إلى سهل «بادانا» في حوض نهر البوه، واستغرقت الرحلة خمسة أشهر ونصف الشهر، وقرّر هانيبال أن تكون ساعة الصفر في يوم عاصف من أيام ديسمبر..
وأرسل سلاح فرسانه كاملاً في أثر الفرسان النوميديين، وأتبعهم بستة آلاف من المشاة، بدأ الرومان عبور نهر ترابيا دون مقاومة من القرطاجيين، وتمكن هانيبال من أن يحيط بهم بمجرد خروجهم من الماء، وحين انتهت المعركة كان هانيبال قد قضى على معظم الجيش الروماني، وعلى الفور تابع طريقة إلى «بلاسينتيا»..
حيث حارب سمبرونيوس، وأخذ المدينة منه، ومع ربيع سنة 217 ق.م. بدأ سيره متجهاً نحو الغرب، وانتهى السير به وبجنوده إلى ممرّ ضيق بين جبل «كورتونا»، وعند نهايته نصب كميناً في التلال المحيطة به، وعندما بدأ الرومان الهجوم كقوة واحدة تركهم هانيبال يهاجمون الوسط، حتى إذا ما أصبحوا في السهل، هاجمهم من كلّ جانب، وهكذا أحاط بجند الجيش الروماني مرّة ثانية، وبدؤوا بالتراجع، ممّا دفع بعضهم لرمي نفسه في البحيرة، وفرّ آخرون على أقدامهم الى مرتفعات الجبال، ولقي آخرون حتفهم في ساحة المعركة، وبعد هذا النصر الكبير بعث إلى قرطاجة يخبرها عن نجاحه في إيطاليا.
انتصر هانيبال في معركة «كاناي»، وفي هذه الأثناء عبر سيبو الصغير إلى أفريقيا وضرب الحصار على عتيقة وتمكن من تدميرها، وأرسل القرطاجيون وفداً للتباحث معه على شروط السلام، وأكد لهم أنه جاء إلى أفريقيا للغزو لا للسلام، ولكن أدرك القرطاجيون أن هانيبال هو سبب كوارثهم وجاؤوا يطلبون السلام فلا بأس..
ولكن بشروط: أن يخلوا إسبانيا والجزر الواقعة بينها وبين إيطاليا، وأن يعيدوا كل الأسرى، وعليهم أن يسلموا السفن، ويجب أن تعطى قرطاجة إلى روما خمسمئة ألف بوشل من القمح، وثلاثمئة ألف من الشعير وعلى قرطاجة أن تدفع خمسة عشر ألف تالنت.
لم يقبل هانيبال شروط الرومان، لذلك قرّر أن يخوض المعركة التي وقعت بين الجانبين عام 202 ق.م. وحدثت الكارثة حين ثار الجنود المرتزقة عليه في وسط المعركة وهجروه، فتراجع ما تبقى من جيشه إلى «هدريم» ومنها إلى قرطاجة، وبعدها اضطرت قرطاجة إلى التسليم.
انتهت الحرب البونية، وخرجت قرطاجة منهكة القوى، وكان «هانيبال» قد بلغ الخامسة والأربعين، وانتخب قاضياً سنة 196 ق.م. وكان يسعى لتحقيق المساواة بين المواطنين حتى يتمتعوا بالحرية الكاملة تحت سقف القانون، وسعى ليضمن كراماتهم وممتلكاتهم وحياتهم.. كما عمل هانيبال على إصلاح المؤسسات السياسية والجهاز الإداري.
اجتمع مجلس الشيوخ الروماني لدراسة ما يمكن اتخاذه من إجراءات لإيقاف هانيبال عند حده، وقرّر إرسال لجنة لتقديم الشكوى والمطالبة بتسليم «هانيبال»، سافرت اللجنة، وأدرك أنه المستهدف، فحاول الهرب، لكنه وجد أبواب القصر محروسة، وعندما أدرك استحالة الهرب تجرع السم الذي في خاتمه، وفضل الموت على الوقوع في يد الرومان في سنة 183 ق.م. ودفن على شاطئ بحر مرمرة، وانتهت بوفاته ملحمة يحق أن ننعتها بالأسطورة.

