يحاول كتاب«فارس وتخوم»، لمؤلفه مرهف زينو، عبر واحد وثلاثين مقالة، ما بين دراسة وشهادة ورأي، جَمَعَهَا وأعدَّها، أن يسلِّط الضوء على تجربة الشاعر السوري توفيق أحمد.
فالناقد المصري محمود الضبع يرى أنَّ القصيدة عند توفيق أحمد تجريب مستمر في أبنية الشعر وغاياته، ووسيلة للكشف عن مكنونات النفس البشرية متمثلة في الإنسان المعاصر المرتبط بإرثه العربي وواقعه الآني ووعيه بالمستقبل، يحكمه في ذلك جميعه، القلق المستمر والتوتر المؤسِّس لشعرية تعيد إلينا مشاعرنا التائهة. فيما يطرح الناقد التونسي د. حامد الفطناسي، في الكتاب، سؤالاً: ماذا يمكن للشعر أن يكون غير الحلم؟ ويجيب: إنَّه ذاك.
لكنَّه في نصوص توفيق أحمد ليس خروجاً عن سياق التاريخ، بل ترسَّخ فيه لحظةً إنسانية خالدة يحلم الشاعر فيها بتناسق غريب عجيب هتَّاك لكل تناسق قبلي آخر. فيه تغدو اليقظة حلماً ويغدو الحلم يقظة، هو بيت الشعر يجول فيه، لا عوائق ثمَّة.. بل قول هو سقسقة الكون ونشيده الدافق. اختزال للزمن وتكثيف عظيمان، الصلب يغدو ليناً، الجامد يضحى سائلاً، الصامت يصبح ناطقاً والميت يقلب حياً، فالأشياء تحيا بأضدادها ولا تتفسَّخ.
وأما الناقد أحمد علي هلال فيقول إنَّه ما بين القيمة الجمالية والأبعاد الدلالية تنفتح أكوان الشاعر توفيق أحمد لتطاول ما يمكن الانطلاق منه إلى شعر بلا ضفاف، وشعرية هي على خط الرؤية، وعلى خط الانبعاث، من كل الغيابات الطارئة أو القسرية.
الكاتب حميد الشامي في دراسته، يرى أنَّ أعمال أحمد تقوم على إحداث تكامل بين الطبيعة وبين الإنسان يتجاوز الأغراض الكلاسيكية والتي قيَّدت الشعر وساهمت في تصفيده وتكبيله. أما الناقد الأردني د. راشد عيسى، فيقول: إنَّنا أمام شاعر فيه طفلٌ كهلٌ حسبه من أمومة الحبيبة رابية صدرها وصياغته شعراً، وحسبه من الحب وعودُ الحب.
فهو لا يسعى إلى امتلاك الأنوثة لغرض شهواني طارئ، بل هو يكابد عبقرية الحرمان كأنَّه يربح الخسران أو كأنَّه الذئب العفيف المكابر الذي يأنس بحلم اصطياد الغزالة لا باصطيادها على الحقيقة. الناقدة د. سمر ديوب ترى قصائد توفيق أحمد تتميَّز بالاحتفاء بالألوان، فأغلبها مهرجان ألوان صاخبٌ يُظهر أعماق وجدان الشاعر.
الناقد عبد النور هنداوي يعتبر أنَّ الثيمة الأساسية التي حكمت الأغلب الأعم من قصائد الشاعر ـ استحضار الأنثى التي مثَّلت قريناً متنقلاً ـ تؤكِّد إجادة الشاعر لعبة القرين بتكاملية وتبادل وجداني.
ويقول د. غسان غنيم أستاذ الأدب الحديث والمعاصر في جامعة دمشق: المتأمل في تجربة الشاعر توفيق أحمد لا بد له أن يلحظ أنَّ الشاعر قد امتلك نواصي الكتابة الشعرية بأنماطها المتعددة، بين قصيدة الشطرين وقصيدة التفعيلة، مع تجريب خجول بقصيدة النثر.
ولكنَّه يتفوَّق في قصيدة الشطرين . د. محمد رضوان الداية في دراسته النقدية، يرى أنَّ الشاعر ممدود اليد والذوق والاطلاع اللغوي.. إلى أدوات العمل الشعري. الشاعر اللبناني محمد علي شمس الدين يقف على مطلع قصيدة لتوفيق أحمد: قالت: أتولد في الحرام قصيدةٌ/ قلنا: نعم وتفوق كل حلال. ويرى أنَّ هذا المزيج الشعري من عناصر تظهر للوهلة الأولى متباينة، ولكن الشاعر يصهر ما بينها ويقرِّب ويمد جسور اللغة والأسئلة.
