يسبر كتاب «السرد التاريخي عند بول ريكور»، لمؤلفته جنات بلخن، المسيرة الفكرية للفيلسوف الفرنسي بول ريكور 1913- 2005، في كتابها الذي توزع على ثلاثة فصول:1- إمكانية الجمع بين الخطاب السردي, والخطاب التاريخي.2-البنية الأنطولوجية والابستيمولوجية للسرد التاريخي. 3- أبعاد السرد التاريخي.

وتعطي لنفسها حق اختصار الفلسفة الريكورية في كلمتين: الكلمة الأولى: أخذ مسافة، بمعنى أخذ مسافة بيننا وبين ثقافتنا التي ننتمي إليها، وهذا شرط ضروري لفهم أي تجربة إنسانية. الكلمة الثانية: المنعرج أو المنعطف، ولذلك يُلقب ريكور بفيلسوف المنعرجات؛ أي أنه يختار الطريق الطويلة غير المباشر الموسوط بالعلامات والنصوص والرموز.

وكذلك تعتبر المؤلفة أنه يمكننا أن نميز أربع لحظات في مسيرة ريكور الفلسفية: لحظة الرمز، لحظة النص، لحظة الفعل، فلحظة السرد، إذ يلخص ريكور رحلته الفكرية في مصطلح «أنا أستطيع»: «أستطيع الكلام وذلك يعني مراجعة ملف اللغة الضخم، أستطيع الفعل، وبذلك راجعت ملف الإرادي والفعل، أستطيع القص وبذلك استعدت الزمن والقص»..

ففي ترتيب هــــرمي لقدرات الإنسان المتعــــلقة بالاستطــــاعة والقدرة تحتل القدرة على الكلام المرتبة الأولى، والكلام هو فعل الأشياء بالكلمات، ومن القدرة على الكلام نتحرك تجاه القدرة على العمل، والفعل هو القدرة على جعل حدث يحدث، في المرتبة الثالثة تأتي القدرة على القص والسرد، والسرد هو القدرة على قول شيء حدث، ونلاحظ أن السرد جاء في المرتبة الثالثة بعد الكلام والفعل لأنه يحتويهما معاً.

وعن التكرار السردي وعلاقته بالتاريخ تقول الكاتبة: إن ريكور يسمي الطريق التي يتم من خلالها تفعيل الماضي باسم التكرار السردي، الذي يصفه بأنه فعل تأسيس جديد لما دشن من قبل، إذ يقول: «المهمة الأساسية لمفهوم التكرار هي إعادة تأسيس التوازن إلى فكرة التراث المتداول». نفهم من هذا القول، أن التكرار السردي هو إعادة حدث ماضي في قالب جديد هو السرد

ويأتي نقاش ريكور للتاريخ والتكرار بعد أن يبين كيف يتطابق تحليل السردية مع التحليل الوجودي للزمان عند هايدغر، حيث يوضح أن تحليل السرد يمكن أن يفضي إلى تحليل هايدغر للتاريخانية، عند هذا الحد يكون التكرار السردي تحويلاً للجريان الزمني إلى تاريخانية، وتحصل هذه التاريخانية حين يكون التكرار أكثر من مجرد صورة لفهم السرد، أي حين يندمج التكرار بفعل القص نفسه. وحين يترجم التكرار إلى قص. يبدو أنَ التكرار السردي والتاريخانية مفهومين متداخلي الحدود، بل أكثر من هذا يتساءل ريكور ماإذا كنا نستطيع أن نعدَ التكرار عنصراً جوهرياً في التاريخانية؟

أما عن خبرة الزمن بالسرد فهي ترتبط ارتباطاً وثيقاً، كما ترى الباحثة، فكل سرد هو زماني في جوهره، سواء كان هذا السرد تاريخياً أو خيالياً.

والزمن يصبح زمناً إنسانياً بقدر ما ينتظم في روايات، والروايات تكون ذات معنى بقدر ما تمثل وجودياً في الزمن، فمبتغى الزمان هو اقتناص الارتباط الدلالي بين الوظيفة السردية والتجربة الإنسانية للزمن، الذي يتبدى في الحبكة بوصفها إعادة تشكيل العالم، لذلك فالمسؤولية التي يضعها ريكور على عاتقه مزدوجة، فمن جهة يكشف المضامين الزمنية لنموذج أرسطو- الحبكة، ومن جهة أخرى يكشف القالب السردي لنموذج أوغسطين –الزمن.

حاول ريكور أن يبين أن العلم التاريخي لا يمكن أن يفهم على طريقة العلوم الاجتماعية اللازمنية، بل يفهم على أساس المعقولية المرتبطة بالسرد، لهذا يرد على أولئك الذين يحلمون بعلم هرمسي للتاريخ من جهة.. ومن يتعصبون لموقفهم السردوي من جهة أخرى، ذلك لأن معقولية كتابة التاريخ ليست هي معقولية السرد، بل تظل الكتابة التاريخية سرداً محولاً.