يُحيط كتاب (منير الشعراني) الذي وضع نصوصه كل من: إلياس الزيات وحسين بيكار وخالد سماوي، بتجربة هذا الفنان التشكيلي السوري الذي أوجد لنفسه شخصيّة فنيّة حروفيّة متفردة في الحياة التشكيليّة العربيّة المعاصرة، مدروسة في بعديها التصميمي الغرافيكي (الذي درسه أكاديمياً)..

والدلالي المتمثل بمضامين العبارات والنصوص التي يختارها للوحاته التي باتت معروفة ومنتشرة في العديد من أصقاع العالم. هذه اللوحة التي كان خالد سماوي يرى صعوبة في إيصالها إلى جدران بيته لسببين اثنين: الأول هو أن الفن الذي تحمله بعيد عن ذائقته. والثاني حداثة تصميم بيته.

لهذا حاول في الزيارة الأولى له لمشغل الشعراني في القاهرة، إقناعه بأن يذهب أكثر باتجاه الألوان، وأن يتحوّل عن الشغل على الورق، ولكن ما حدث أقنعه بالعكس. وهكذا أصرّ الشعراني على طريقته في إنجاز لوحته الحروفيّة، في وقت كانت حمى (موضة) الحروفيات الملوّنة (بحسب سماوي) تُغرق سوق الفن.

كان الشعراني يصنع لوحة تشكيليّة من الكلمات وحدها، من دون تلوين أو تقانات مائعة، فهو خطاط أصيل، طوّر خطه عبر المثابرة والبحث، بحيث راحت هذه اللوحة تأخذ السيد سماوي كلما نظر إليها، إلى بيت جده القديم في حي الحلبوني الدمشقي، وإلى كل بيت دمشقي تقليدي يعرفه.

أما الفنان التشكيلي إلياس زيات فيؤكد في نصه أن منير الشعراني أتى إلى الوجود حاملاً موهبةً وقلماً، وإذا ما استهوته المعرفة فإنه يُكحل عينيه بحِكَم وآيات كريمة مسطرة على لوحات تزين جدران غرفة جده، يسعى إلى قراءتها متلعثماً حتى تستقيم حروفها، فيستوضح معناها، ويطابق بين صورة الحرف المنظورة ..

وما تؤديه تلك الصورة في مخيلته من رؤيا طفوليّة لا تلبث أن تنطلق على دفتر المدرسة: شكلاً مرئياً يداعب خياله فيبني منه قصة أو عالماً سحرياً عجيباً، يملأ عليه عالمه الروحي وحاجة معرفيّة.

وتغدو (بحسب الزيات)، التجربة أكثر واقعيّة حين يبلغ منير أشده، فيتردد على الخطاطين، وعندها تبدأ خطوات رحلته الأولى، ثم تتمادى يد منير في الإتقان حتى تتكشف له أسرار الخطوط العربيّة، ويعرف قدرة الحرف وإمكاناته في التعبير، وأن الحرف له حياة في ذاته، وهي قابلة للنمو،..

كما تُزهر وتُثمر إذا ما ارتوت بعلوم التصميم وعمارة الشكل، مستزيداً في تلك العلوم أثناء دراسته في كلية الفنون الجميلة في دمشق. ثم يكتشف منير كتب الأقدمين، ويتعرف من دراستها أن العرب وجدوا الخط وعاشوا عمقه بحدس إبداعي وليس بامتهان إتباعي (تقليدي) فحسب، وهنا تبدأ رحلته الثانيّة وهي استخدام إتقانه لأنواع الخط العربي في عمل لوحة تشكيليّة لا يفقد فيها الحرف دلالته الحيويّة، ولا العبارة المكتوبة ومقروئيتها.

أما الفنان التشكيلي المصري حسين بيكار، فيرى أن منير الشعراني يقف على رأس جمهرة الفنانين التشكيليين، محدداً شخصيته التي انفرد بها عن بقية زملائه، سواء من المصوّرين أو المزخرفين المحترفين أو الخطاطين التقليديين. فبينما يقف فوق قاعدة راسخة من الأصول الكلاسيكيّة التي اكتسبها من دراسته الأكاديميّة، يقف على المستوى نفسه من دراسة بالغة العمق والجديّة، لأصول قواعد الخط العربي وروحه، تلقاها من كبار أساتذة الخط العربي في الشرق العربي.

على هذا الأساس، نستطيع أن نؤكد (كما يقول بيكار) أن الفنان الشعراني استطاع أن يمسك بناصية جميع الأبعاد التي تستطيع أن تضمن لفنه التواصل مع وجدان الإنسان الذي يقف حائراً في مفترق طرق حضاري، لا يدري أيها يسلك. فهو يملك إلى درجة الأستاذيّة، ناصية البعد الجمالي (الاستطيقي)..

والبعد التعبيري، والبعد الصوفي، وجمعها جميعاً في باقة واحدة. وهو (كمايسترو) حاذق، يدرك الخصائص الخاصة للحرف وإمكاناتها الآليّة.. يستخدم ملكته القياديّة في تحريك الكلمات والحروف واختيار مواقع ظهورها واحتجابها فوق مسرح اللوحة، حجماً وزمناً وحدةً وضعفاً، بحيث يعمل الخط المسترسل على قوس الكمان بين الآلات الموسيقيّة..

وتعمل النقط مختلفة الحجم والعدد عمل نقرات الدفوف إذا تناثرت ودقت، أو قرع الطبول إذا غلظت وثقلت، وليس بالضرورة أن تلازم النقطة الحرف التابع ملازمة الظل للجسم، بل هي تحتل مكانها في اللحن العام، والتوقيت المناسب اللذين يحددهما الفنان برهافة بلغة الحساسيّة.