تتحدث رواية «هدايا»، لمؤلفها نور الدين فارح، عن «دنيا» التي تذهب إلى عملها سيراً على القدمين، وخلال هذه الرحلة اليومية ترى البيوت المبني نصفها من الطين ونصفها الآخر من الطوب، ولا توجد فيها مياه جارية ولا أحواض للغسيل، ولا مراحيض ملائمة. إنها هي نفسها، تقيم في واحد من تلك البيوت الموجودة في مقديشو.

أينما التفت المرء.. رأى الناس يخرجون من أبواب مفتوحة، كانت الشوارع تعج بالحركة وتضج بالحيوية:

فقد كانت النسوة يتحدثن بطلاقة مع جاراتهن، وأسراب الأطفال يرتدون زيّهم المدرسي متجهين إلى مدارسهم، وأطفال صغار كانت أمّهاتهم تقودهم إلى رياض الأطفال. كان شحّ الوقود وانقطاع الكهرباء يشغل الجميع، أمّا الأشخاص ذوو الاطلاع الجيد فكانوا يتحدثون في السياسة، التي تقبع وراء شحّ السلع، وكلّ منهم يسأل إلى متى سيدوم ذلك.

ودنيا هذه، تعمل رئيسة ممرضات في مستشفى الدكتور ماير، ولها ثلاثة أولاد، وخلال الراوية يمرر الكاتب مقالات عن الأوضاع في الصومال، فمن ذلك مثلاً: تحذير «وزير الزراعة والثروة الحيوانية من وقع كارثة أو مجاعة في الصومال، إذا لم تتخذ إجراءات فورية لوضع حدّ لدورة تكاثر جرادة الصحراء».

هذه المقالات وغيرها، تعطينا صورة كاملة عما آل إليه الصومال، والأضرار التي لحقت به. ونتبين أن الرواية تدور في أربعة أجزاء، الأول: ولادة قصة، والثاني:

العثور على طفل رضيع في صندوق القمامة، والثالث: دنيا عاشقة، والرابع: دنيا تعطي. وبهذه الأجزاء تكتمل الرواية، لكن الكاتب يضع في كلّ جزء دليلاً على ما يريد صنعه في صفحاته القادمة، ففي المقطع الثالث من الجزء الأوّل «ولادة قصة» نجد العنوان التالي «تتناول دنيا وجبة الطعام التي أعدتها ابنتها نسيبة وهما تتذكران الفتاة الشابة عندما كانت صغيرة، قبل أن تتزوّج دنيا طارق، زوجها السابق؛ وتحكي دنيا عن زواجها من والد ابنتها الصغيرة».

ويتناهى إليها، حين عادت إلى البيت نشيج طفل من الغرفة التي تتقاسمها مع ابنتها، وهكذا عند مدخل الباب رأت طفلاً رضيعاً ملفوفاً بمنشفة مستلقياً في حضن نسيبة، «لقد عثرت عليه»، قالت الشابة. ولم تبدِ دنيا اهتماماً بمعرفة هوية اللقيط أو أين وجدته، فسرعان ما سيأتي الوقت لتعرف كلّ شيء «لكنها تقرّر أن تحتفظ بالطفل».

«بدأت تتحسس قدمي الطفل، ثم مفاصله، وكأنها تنوي أن تسجل التفاصيل في سجل المريض». ثم أخذت الطفل إلى مكان تسجيل الأطفال، وهناك يقرر المفتش بشأن الوضع القانوني لهؤلاء اللقطاء الذين يعثر عليهم، إنّهم ثمرات هذا المجتمع الإباحي، كما قال المفتش.

في هذه الأيام العصيبة، والصومال عرضة للكوارث والويلات تقع دنيا في حبّ بوساسو.. ويصور لنا الكاتب كيف مكثا صامتين، جلسا فوق حصيرة القش، تحت مظلة من أغصان وأوراق شجرة الأكاسيا. وفي نهاية الرواية، يعتبر الجميع بوساسو ودنيا زوجاً وزوجة، «ثم شمت دنيا رائحة بوساسو لأنه جاء إلى المكان الذي نجلس فيه».

تقصّ علينا هذه الرواية أخبار الصومال، أيام سياد بري، والمجاعات التي حصلت فيها والحروب التي دّمرتها، لكن في ظلال هذه الحروب، نجد السكان الذين لم يتركوا ديارهم يحبون ويعيشون ويذهبون إلى المطاعم، وتتدرب النساء على سواقة السيارات والتنس.

وفي الرواية شخصيات قليلة، استطاع الكاتب أن يديرها بمهارة وذكاء، وفي كلّ نهاية فصل، يقدّم لنا تقريراً من الأمم المتحدة أو من إحدى الصحف، عن وضع الصومال، وما أصابه من ويلات: من اقتطاع الشجر وقتل الحيوانات وقطعان من الماشية، كلّ هذا يؤدي إلى تعرية الأراضي، مما يسهم في حدوث الجفاف.