يجد كتاب «دراسات جمالية نصية في الشعر السعودي الجديد»، لمؤلفه الدكتور عبد الله العسّاف، أنّ الأدب السعودي مظلوم من ناحيتين، الأوّلى لأنه لم يغط التغطية الكافية من الدارسين العرب.

والثانية، لأن المهتمين بشأن الأدب في المملكة أهملوه، ويودّ الكاتب أن يشير هنا إلى أنّ الأدب السعودي المعاصر لا يقل أهمية عن الأدب في الدول العربية، فهناك كتاب كبار يشكلون ظاهرة أدبية متميز، لا يستطيع من يطلع عليها أن ينكرها، وعلى فإنه يدرس مجموعة «يا فدى ناظريك» للراحل غازي القصيبي.

ويبين أنه تنتمي المجموعة بامتياز إلى التيار الرومانسي الذي انتعش خلال فترة ما بين الحربين، إذ غلبت نصوص الرثاء على بقية النصوص، وهذا رثاء للواقع. وبدا الفرد في المجموعة مأزوماً ومغترباً ومهزوماً وخائفاً، وكان من الطبيعي أن تغلب «قيمة التراجيدي» على بقية القيم، وغلب الفني والجمالي على أغلب نصوص الرؤيا فارتقت «الشعرية» فيها.

واستطاع الشاعر أن يعمّم تجربته الفنية من خلال قدرته على تجسيده النماذج الفنية، التي تميزت بالخصوبة والتنوع، وخدمت رمزية اللغة هذا الجانب.. وكذلك الصورة الفنية.. والقيم الجمالية.. وتظل تجربة الشاعر الشعرية التي تمتد لأكثر من أربعين سنة، تستحق التقدير والدراسة.

يخصص العساف الدراسة الثانية لمجموعة أحمد سالم باعطب، وهي بعنوان «أسرار الطيور المهاجرة»، وتتجلى فيها ثنائية الرومانسي والوعي الجمالي التقليدي، وحكمتها خمسة محاور: الشعار السياسي، تبني البناء العمودي، تجاهل الذات للآخر، الانشغال بالهم الإنساني العام على حساب ما هو محلي، الانشغال بالقيم الرومانسية.

إنّ الشاعر أحمد باعطب يعكس في مجموعته أزمة الشعراء الذين يعيشون بين زمانين مختلفين، ومنهم من يريدون أن يجاروا ما يجري، ولكنهم لا يستطيعون أن يتخلصوا من قيود القديم.

وفي «تجاعيد المرايا» لمحمود محمد الصميلي نجد الأديب مهموماً بجغرافية البلدان، والاحتفاء بزمن الفروسية وطواحين الهواء، وبرعت هذه المجموعة في التعبير عن مأساة الفرد المعاصر، ولكنها جمالياً، لم تتخط حدود الخطاب الشفوي.

وأما خليل إبراهيم الفزيع في «وشم على جدران القلب»، فنجده يهيمن بوعيه الجمالي التقليدي على موضوع النسيب وموضوع الغزل. وسعت النصوص لتجسيد مجموعة من القيم الجمالية، منها: قيمة الجمالي (المديح، المرأة، التغني بالطفولة، قيمة البطولي «أم الشهيد»، قيمة القبيح التي تجسدت في صورة المستعمر، الصديق السيئ، الوضع العربي القائم )..

وأيضا قيمة التراجيدي (القدس، الأصدقاء، الوطن)، وعبر سقوط المثل الأعلى الذي تجسّد في عدم قدرة الفرد على تحقيق رؤياه من خلال علاقاته الصدامية بالواقع، وتتجسّد الرؤيا في رغبة الفرد في إيجاد عالم آمن يحقّق له طموحاته الإنسانية، ومجتمع متراص، وعلاقات إنسانية نظيفة، ومكان هادئ جميل.

في مجموعة «قصائد خضر ويابسات» لـزاهر عبد الرحمن عثمان، ينتقل فيها من دهشة الطفل في ذهنية الفيلسوف، ويلاحظ في تجربة الشاعر أنها أكثر نضجاً في النصّ العمودي، من حيث التملك الجمالي والقدرة على التصوير..

وغلبت على نصوص التفعيلة الطابع العقلي المجرّد، والشاعر كان في مرحلته الأولى «طفولياً»، لكنه أصبح في مرحلته الثانية عاقلاً، وبدأ يقرأ العالم المحيط به بذهنية المفكر لا بإحساس الطفل، إنّه شاعر جميل، وشعره مثّل بصدق وعفوية جيلي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الـ20.

كذلك يبني سعد الحميدين مجموعته «للرماد نهاراته» على فكرتي (الهدم والبناء). فهو يرفض «مكوّنات الرؤية» لأنها لم تعد تصلح لشيء، ويسعى إلى بناء رؤيا جديدة تعتمد على عناصر تجربتها، ويختار أشكال بنائها بنفسه، إنه يريد أن يكون اللغة والطبيعة والإنسان من جديد بمعطيات جديدة ووعي جمال جديد، و«نعتقد»، يقول المؤلف، أن أبرز ما كان يحرك مجموعة «الحميدين» الانشغال بالتجريب على كافة الصعد، وهو نجح في ذلك.

ويتناول القسم الثالث في الكتاب إحدى وثلاثين مجموعة شعرية، تمثل المرحلة الجديدة في الشعر السعودي، وأطلق الكاتب عليها مسمّى «دراسات جمالية نصيّة في الشعر السعودي الجديد»، لأن الكتاب يركز على بنية النصّ بوصفها وحدة متكاملة مستقلة جمالياً وفنياً ودلالياً.